الزيدي.. التحديات والمأمول
29/04/2026 02:45
بقلم .. الدكتور ليث شبر
جاء تكليف علي الزيدي مفاجئاً في توقيته ومساره، ليس لأن اسمه لم يكن في مقدمة التداول فقط، وإنما لأن لحظة التكليف نفسها خرجت على إيقاعٍ اعتاد الناس قراءته مسبقاً، ثم جاء عامل العمر ليضيف بعداً آخر، إذ نتحدث عن أصغر رئيس وزراء مكلّف يصل إلى هذا الموقع، وهذه وحدها واقعة تستدعي التأمل، لأن الشباب قد يفتح أفقاً، لكنه يفتح معه أسئلة لا تقل أهمية، خاصة مع وجود ملفات في ماضي الرجل ما زالت تحتاج إيضاحاً شفافاً، والثقة، كما أفهمها، لا تنمو في الظل.
ويزداد الأمر تعقيداً إذا تذكرنا أننا لم نسمع للمكلّف، قبل هذه اللحظة، رؤية متماسكة تكشف كيف يفكر، وكيف يقرأ الدولة، وما فلسفته في الحكم، وما تصوره لموقع العراق وسط هذا الاضطراب. وهنا يتقدم السؤال الثقيل: هل نحن أمام رجل سيدير ما هو قائم كما ورثه، أم أمام قائد قد يحاول تحريك ما استقر؟ وهل يستطيع، منذ البداية، أن يؤسس فريقاً ذكياً لا يوزع المناصب، وإنما يصنع قراراً؟
والحق أن التحديات لا تقف على باب الحكومة لتنتظر اكتمال تشكيلها، بل تدخل معها من اللحظة الأولى؛ اقتصاد مثقل، وإدارة مترهلة، ومراكز نفوذ، ومؤسسات تحتاج من يعيد إليها روحها، وسياق إقليمي لا يرحم من يخطئ القراءة. بيد أن التحدي الأشد ليس في هذه الملفات نفسها، وإنما في الذهنية التي ستقاربها. فكم من حكومة عرفت العناوين، لكنها عجزت عن إدراك البنية التي تحتها. وهنا موضع الاختبار؛ هل يقرأ الزيدي ما يراه الناس على السطح، أم ما يعتمل في العمق؟ هل يدرك أن بعض ما يعطل الدولة ليس القرارات المعلنة، بل العادات المستقرة التي تحكمها بصمت؟ وإذا لم يبدأ من هذا الوعي، فسيجد نفسه يدور في الحلقة التي دار فيها من سبقوه.
وأقولها بوضوح، الناس لا تنتظر منه انقلاباً في شهر، ولا معجزة في سنة، لكنها تنتظر علامة تدل أن العقل الذي يدير مختلف. قرار واحد قد يغيّر المزاج العام. اختيار واحد قد يرسل رسالة. خطوة واحدة قد تفتح باباً. ومن هنا أرى أن أول امتحان للمكلّف ليس كيف يشكل الحكومة، بل كيف يختار من يشكل بها. من حوله سيقول الكثير عنه. هل يذهب إلى فريق يجيد الطاعة، أم إلى فريق يجيد التفكير؟ هل يختار من يحرس التوازنات، أم من ينتج الأفكار؟ هنا يبدأ معنى الحكومة الذكية التي تحدثنا عنها طويلاً، لأن الدول، في لحظات التعقيد، لا تنجو بكثرة الوزراء، بل بنوعية العقول.
والمأمول، لعمري، أوسع من إدارة أزمة. المأمول أن يجرؤ الرجل على أن ينظر إلى الملفات بمنطق مختلف؛ أن يرى الاقتصاد من باب القيمة، لا باب الإيراد فقط، وأن يقرأ الأمن من جهة الاستقرار الاجتماعي، وأن يفتح الباب أمام الكفاءات التي بقيت خارج دوائر التأثير، وأن يتعامل مع الرؤى الوطنية، ومنها ما طرحناه في الدولة الذكية السيادية النابضة، باعتبارها اجتهادات تستحق الإصغاء. العراق، في تقديري، لا يحتاج كثيراً إلى موارد جديدة، بقدر ما يحتاج طريقة أخرى في ترتيب ما يملك. فإذا التقط الزيدي هذا المعنى، حتى من طرفه، فقد يضع قدماً في مسار غير مألوف.
وربما يقال إننا نحمّل الرجل أكثر مما يحتمل، إلا أن من يصل إلى هذا الموقع لا يدخل وظيفة، بل يدخل امتحان تاريخي. وقد تعب الناس من حكومات تبدأ بالشعارات وتنتهي بالمبررات، وصاروا يعرفون الفرق بين من يمر على الكرسي ومن يترك أثراً فيه. وهنا أصل المأمول. ليس أن ينجو الزيدي من الضغوط، فهذا وحده لا يكفي، بل أن يحاول ألا يبتلعه الصندوق الذي ابتلع كثيرين قبله؛ صندوق الأعراف، وصندوق التسويات، وصندوق الخوف من كسر المألوف. فإذا فتح ثغرة في هذا الجدار، ولو ضيقة، فقد تبدأ الحكاية من جديد. أما إن استسلم لما استسلم له السابقون، فلن يكون الأمر سوى اسم آخر يمر في سجل طويل. وأنا، رغم ما رأيت من هذا النظام، ما زلت أرى أن العراق يفاجئ من يقرأه بسطحية، وما زلت أعتقد أن الفرص، وإن تأخرت، لا تموت… لكنها تحتاج من يلتقطها حين تمر.

