الأيرنة الناعمة… وحكمة قادة الخليج

04/05/2026 02:05

بقلم .. الدكتور ليث شبر

كما تعلم، كتبنا أكثر من مرة عن الأيرنة، ويمكنك مراجعة مقالاتي في هذا الشأن، ولعلي السياسي العراقي الوحيد الذي أشار إلى هذه الظاهرة بوضوح، ولم يكن المقصد الاتهام بقدر القراءة التي تراقب التحول وتلتقط أثره قبل أن يستقر.

 لا بد من القول إن الأيرنة ليست حديثة العهد، فهي سلوك متجذر في الإيراني ونمط يتكرر في كل الأنظمة التي حكمت إيران، وآخرها نظام ولاية الفقيه في خاتمة سبعينيات القرن الماضي، حين أطلق الخميني شعار تصدير الثورة، وفتحوا البوابة الأولى باتجاه العراق وكربلاء، مع اعتماد حصري على البعد المذهبي الشيعي، ثم جاءت الحرب، وتتابعت الأحداث، حتى وصلنا إلى هذه اللحظة التي نعيشها اليوم.

بيد أن ما تغيّر لا يكمن في الهدف، بل في الوسيلة، فالمسار الذي بدأ بصيغة ثورية، صريحة، انتقل مع الزمن إلى نمط أكثر هدوءاً، يشتغل في العمق، ويتغلغل في  داخل المجتمعات حتى يتغول، وهنا تظهر الأيرنة الناعمة، حيث تتحرك الفكرة في الوعي، وتتمدد في الثقافة، وتبني لنفسها حضوراً عبر التفاصيل اليومية، من دون أن تحتاج إلى إعلان مباشر. وفي هذا النمط، لا يُفرض الاتجاه بقوة، بل يتشكل تدريجياً، حتى يغدو ركنا من البيئة، ويصعب فصله عنها.

ومن يتأمل هذا المسار يدرك أن الزمن عنصر فاعل فيه، لأن التغيير لا يقع دفعة واحدة، بل يتكون عبر تراكمات، تتصل ببعضها، وتنتج أثراً متماسكاً، وهنا تكمن الدقة، لأن كثيرين لا يلتفتون إلى التحول في بداياته، ثم يجدونه وقد أصبح واقعاً قائماً. وهذا ما يجعل قراءة هذه الظاهرة تحتاج إلى يقظة، وإلى عقل يرى ما تحت السطح، ويربط بين الأحداث التي تبدو متفرقة، لكنها تسير في اتجاه واحد.

وأستغرب كيف بقيت بعض القراءات السياسية تدور في دائرة الصور القديمة، فتبحث عن المواجهة في مواضع لا تظهر فيها، وتغفل عن المساحات التي يجري العمل فيها بهدوء. لأن من لا يقرأ التحول في أدوات التأثير، سيبقى أسير ما اعتاده، بينما تتغير الوقائع أمامه من دون أن يدرك.

وفي المقابل، يبرز في المنطقة مسار آخر، يقوم على هدوء محسوب، وعلى إدراك لطبيعة المرحلة، حيث اختار قادة الخليج أن يعالجوا التحديات من داخل مجتمعاتهم، فعملوا على تعزيز الاقتصاد، وترسيخ الاستقرار، وتوسيع شبكة العلاقات، مع تجنب الاندفاع نحو صراعات مفتوحة على الرغم من أن الإيرانيين بذلوا جهودا كبيرة في بث الفرقة وتفكيك المجتمع الخليجي. 
مع هذا فإن القيادة والمجتمع تمسكوا بالمسار الذي يعكس فهماً عميقاً لطبيعة التوازن، ويمنحهم قدرة على الحركة من دون أن يستنزف طاقاتهم.

ومن ينظر إلى هذا النهج يلاحظ أن المجتمع المتماسك يقلل من قابلية التأثر، ويضع حدوداً واضحة لأي تأثير خارجي، وهنا تتجلى قيمة الحكمة، لأنها تبني مساراً متدرجاً يوازن بين الحضور الإقليمي وحماية الداخل.

ويحتاج العراق، قبل غيره، إلى قراءة هذه التحولات بعناية، لأن موقعه وتركيبته يجعلان تأثير هذه المسارات فيه أكثر حساسية، ولهذا فإن استعادة الدولة ترتبط بقدرتها على فهم ما يجري حولها، وبناء نموذج متماسك من الداخل، يرسخ الهوية الوطنية، ويعزز الثقة بالمؤسسات، ويمنح المجتمع قدرة على التمييز.

إن الأيرنة الناعمة تتحرك بصبر وثبات، بيد أن المجتمعات التي تعرف نفسها لا تترك هذا المسار يتغلغل فيها من دون وعيإلى أن يتوغل ومن ثم يتغول، كما أن الحكمة التي تقوم على الهدوء والرؤية تخلق أثراً أعمق من أي اندفاع، وبين هذين المسارين تتحدد ملامح المرحلة المقبلة، حيث لا يكفي أن نرى ما يجري، بل أن نفهمه، وأن نحدد موقعنا منه بوعي ومسؤولية.

Follow Us:
All Right Reserved © 2026