التطبيع مع الفساد.. ما الذي يحدث في العراق حقاً؟
12/05/2026 06:23
( بقلم : د. ليث شبر )
ذلك هو السؤال الذي يتردد كلما تابعنا النقاشات السياسية الجارية، أو استمعنا إلى الحوارات التلفازية أو خلف الأبواب المغلقة، أو قرأنا ما يُسرَّب عن صفقات تشكيل الحكومات وتقاسم الوزارات. فالمشهد لم يعد يدور حول مشروع دولة، ولا حول رؤية لإنقاذ بلد أنهكته الفوضى والحروب والفساد، وإنما انحدر إلى مستوى آخر أشد خطورة؛ مستوى أصبح فيه الحديث عن “الاستحقاق الانتخابي” وتقاسم الوزارات حديثًا طبيعيًا يُطرح بوصفه حقًا مشروعًا، بينما هو في حقيقته أحد أخطر أشكال الفساد المنظّم.
لقد اعتاد العراقيون، بفعل التكرار والتطبيع النفسي، والإحباط المتراكم على سماع عبارات من قبيل: هذه الوزارة استحقاقنا، وتلك المؤسسة من حصتنا، وهذا المنصب يجب أن يذهب إلى الحزب الفلاني أو المكوّن الفلاني. حتى أمسى الخطاب وكأنه يتحدث عن ملكيات خاصة موزعة بين القوى السياسية، لا عن دولة يفترض أنها ملك لجميع المواطنين.
والأسوأ من ذلك أن هذا الخطاب لم يعد يثير الصدمة كما كان في السابق، بل صار جزءًا من الثقافة السياسية اليومية، يتداوله السياسي والإعلامي وبعض أفراد المجتمع وكأنه أمر بديهي لا يحتاج إلى مراجعة أخلاقية أو قانونية.
هنا تكمن الكارثة الحقيقية.
فالأمم لا تنهار فقط حين ينتشر الفساد، وإنما حين يُطبَّع الفساد ويُعاد إنتاجه بوصفه عرفًا مقبولًا. إن الخطورة ليست في الجريمة وحدها، بل في لحظة تحوّل الجريمة إلى ثقافة، والثقافة إلى حق، والحق إلى مطلب يُدافَع عنه علنًا بلا خجل. عند هذه النقطة يصبح الإصلاح بالغ الصعوبة، لأن المشكلة لم تعد محصورة بمنظومة سياسية فاسدة، بل تحولت إلى بنية ذهنية واجتماعية تعيد إنتاج الانحراف جيلاً بعد جيل.
إن ما يسمونه اليوم “الاستحقاق الانتخابي” ليس سوى تحويل الدولة إلى سوق مفتوح للمقايضة. الناخب يبيع صوته تحت ضغط الحاجة أو الوهم أو العصبية، والزعيم يشتري بهذا الصوت وزارة أو مؤسسة أو هيئة، ثم تتحول الوزارة إلى مشروع استثماري مغلق يُدار بمنطق الغنيمة لا بمنطق الخدمة العامة. وهكذا تكتمل الدائرة: أصوات تُشترى، مناصب تُباع، عقود تُوزع، ودولة تتآكل بصمت، فيما المواطن البسيط يدفع الثمن من حياته وكرامته ومستقبل أبنائه.
لقد نجحت منظومة المحاصصة في أخطر عملية تشويه عرفها العراق الحديث؛ إذ لم تكتفِ بتقاسم السلطة، بل أعادت تعريف المفاهيم ذاتها.
صار الفساد يُقدَّم بوصفه “استحقاقًا”، والمحاصصة “توازنًا”، وتقاسم الدولة “شراكة وطنية”، والهيمنة على المؤسسات “حماية للمكوّن”. وهنا لا يعود الانهيار إداريًا أو ماليًا فحسب، بل يتحول إلى انهيار في اللغة ذاتها، لأن اللغة حين تُشوَّه يُشوَّه معها الوعي، وحين يختلط معنى الأشياء تضيع الحدود بين الحق والباطل.
ولا جرم أن أخطر أنواع الفساد ليس سرقة المال العام، بل سرقة المعايير. فحين يفقد المجتمع قدرته على تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية، تبدأ مرحلة الإنهاك الحضاري العميق. وهذا ما نعيشه اليوم؛ إذ بات كثيرون يتعاملون مع تقاسم الوزارات وكأنه ممارسة طبيعية في “الديمقراطية العراقية”، مع أن الديمقراطية في جوهرها تقوم على الكفاءة والمحاسبة وتداول السلطة وخدمة الصالح العام، لا على توزيع المغانم بين القوى المتصارعة.
لقد مرت أمم كثيرة عبر التاريخ بمراحل مشابهة، وكانت بداية الانهيار دائمًا لحظة انقلاب المعايير؛ حين يصبح الانتهازي رجل دولة، والفاسد قائدًا، والصفقة سياسة، والغنيمة حقًا مكتسبًا. وما نشهده اليوم في العراق ليس أزمة تشكيل حكومة فحسب، بل أزمة معنى ومعيار وفلسفة حكم. ولذلك فإن أي إصلاح حقيقي لن يبدأ من تغيير الأسماء بقدر ما يبدأ من استعادة المعنى الأخلاقي للدولة نفسها.
المشكلة العراقية بالغة التعقيد، لأنها تتشابك فيها عوامل الطائفية والإثنية والتدخلات الإقليمية والصراعات الدولية، بيد أن نقطة البداية تبقى واحدة: استعادة الوعي. أي أن نعيد تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية، وأن نرفض تحويل الانحراف إلى أمر اعتيادي، وأن نمتلك الشجاعة الفكرية لقول إن ما يجري ليس “استحقاقًا انتخابيًا” بل منظومة فساد متكاملة تُدار تحت عناوين براقة.
ومع ذلك، سنبقى نكتب.
سنظل ننبه ونذكّر ونصرخ في وجه هذا الاعتياد الخطير، لأن المسؤولية الوطنية لا تُقاس بنتائجها السريعة، بل بصدق الموقف أمام التاريخ. قد يبدو الأمر أحيانًا وكأننا نحفر في صخرة صمّاء، غير أن الصخور نفسها تُنحت بالتراكم والمثابرة، لا بضربة واحدة. والتاريخ يخبرنا أن كل إصلاح حقيقي بدأ بأقلية واعية رفضت أن تتصالح مع الباطل حين كان الباطل هو السائد.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي شعب هو أن يفقد حساسيته تجاه الخطأ. وحينها يصبح الانحدار شاملًا؛ في السياسة، وفي الثقافة، وفي الضمير، وحتى في اللغة التي نصف بها الأشياء.

