نواب الغنائم ( السماسرة )
13/05/2026 01:37
بقلم .. الدكتور ليث شبر
ثمة لحظات في حياة الأمم يصبح فيها الخلل أعمق من فساد وزارة، وأخطر من صفقة، وأشد فتكًا من أزمة مالية أو أمنية. لحظات يتسلل فيها التصدع إلى البنية الذهنية ذاتها، إلى طريقة التفكير، إلى مفهوم الدولة، إلى معنى السياسة، إلى صورة النجاح في وعي الأجيال الجديدة. وهنا تكمن الكارثة الحقيقية.
ما نسمعه اليوم من بعض النواب الشباب ليس مجرد انحدار في الخطاب، وإنما انعكاس لتحول خطير في الثقافة السياسية العراقية. جيلٌ دخل الحياة العامة من بوابة الغنيمة، لا من بوابة الرسالة. يرى المنصب امتيازًا شخصيًا، لا مسؤولية تاريخية. يتحدث بلغة القطيع، ويتماهى مع زعيمه تماهيًا يلغي العقل والضمير معًا، حتى بات الاعتراض داخل الأحزاب يُعد خيانة، والتفكير المستقل يُنظر إليه كتمرد غير مرغوب فيه.
الأخطر من ذلك أن كثيرًا من هؤلاء لم يأتوا من رحم تجربة فكرية أو نضالية أو أكاديمية أو حتى مهنية حقيقية، وإنما صعدوا عبر منظومات الولاء، والمال السياسي، والسلاح، والاستعراض الإعلامي، والقدرة على التصفيق أكثر من القدرة على التفكير. لذلك تجد أحدهم عاجزًا عن إدارة حوار فكري بسيط، لكنه بارع في توزيع الاتهامات، وإعادة تدوير الشعارات، والدفاع المستميت عن الفساد بوصفه “استحقاقًا انتخابيًا”.
لقد أنتجت المحاصصة مع الزمن طبقة سياسية جديدة لا تؤمن بالدولة أصلًا، لأنها لم تتربَّ داخل مفهوم الدولة. تربّت داخل مفهوم “الحصة”، و”المكون”، و”الزعيم”، و”المكتب الاقتصادي”، و”الدرجة الخاصة”، و”العقد”، و”التوازن”، حتى غابت الفكرة الكبرى للعراق تمامًا. وحين تغيب الفكرة الكبرى، يتحول البرلمان إلى سوق، والحكومة إلى تسوية مؤقتة، والسياسة إلى صراع بدائي على النفوذ.
إن ما نشهده اليوم ليس انحراف أفراد فحسب، بل انهيار بنيوي حقيقي. انهيار في إنتاج النخبة. فالدول الطبيعية تنتج رجال دولة، بينما الأنظمة المختلة تنتج سماسرة سلطة. والدولة التي تعجز عن صناعة جيل سياسي مثقف، حر، شجاع، ووطني، تمضي تدريجيًا نحو الشيخوخة السياسية مهما امتلكت من ثروات أو شعارات.
ولهذا فإن معركة العراق المقبلة ليست معركة انتخابات فقط، ولا معركة تشكيل حكومة فحسب، وإنما معركة إعادة بناء الإنسان السياسي العراقي نفسه. إعادة بناء معنى النائب، ومعنى المسؤول، ومعنى القيادة، قبل أن نغرق جميعًا في جمهورية يتكاثر فيها السياسيون، ويختفي فيها رجال الدولة.

