محاكم الإنترنت: أحكام بلا قضاء وعقوبات بلا استئناف

24/06/2026 09:15

( بقلم : مقداد ميري )

في الماضي، كانت المحاكم هي الجهة المختصة بإصدار الأحكام بعد الاستماع إلى الأدلة والدفوع والشهادات، أما اليوم فقد ظهرت محاكم جديدة لا تملك قضاة ولا قوانين مكتوبة، لكنها تمتلك جمهوراً واسعاً وسلطة تأثير هائلة. إنها “محاكم الإنترنت” التي تنعقد جلساتها على منصات التواصل الاجتماعي، وتصدر أحكامها خلال دقائق، وتنفذ عقوباتها فوراً دون حق للدفاع أو الاستئناف.

لقد وفرت التكنولوجيا فضاءً واسعاً للتعبير عن الرأي وتبادل المعلومات، وهو مكسب حضاري مهم، إلا أن هذا الفضاء ذاته أصبح في كثير من الأحيان ساحة للتشهير والتشفي وإطلاق الاتهامات دون تحقق أو تدقيق. فمجرد مقطع فيديو مجتزأ أو صورة خارج سياقها أو منشور مجهول المصدر قد يكون كافياً لإشعال موجة من الغضب الجماهيري ضد شخص أو مؤسسة، قبل ظهور الحقيقة كاملة.

تكمن خطورة هذه الظاهرة في أن الرأي العام الرقمي غالباً ما يتحرك بدافع العاطفة أكثر من اعتماده على الوقائع. فكلما كانت القصة أكثر إثارة، ازدادت سرعة انتشارها، وكلما كان الاتهام أكثر صدمة، ارتفعت نسبة التفاعل معه. وفي خضم هذا السباق المحموم نحو المشاهدات والإعجابات، تضيع أحياناً أبسط قواعد العدالة والإنصاف.

إن التشهير الرقمي لا يقتصر ضرره على الأفراد فحسب، بل يمتد ليطال مؤسسات بأكملها. فقد يؤدي تداول معلومات غير دقيقة أو اتهامات غير مثبتة إلى إضعاف ثقة الجمهور بالمؤسسات الرسمية أو المجتمعية، وهو ما يخلق بيئة خصبة للشائعات ويؤثر سلباً في الاستقرار المجتمعي.

ولا يعني ذلك الدعوة إلى تقييد حرية التعبير أو منع النقد، فالنقد الموضوعي حق مشروع، وكشف الفساد واجب أخلاقي وقانوني، لكن الفرق كبير بين النقد المسؤول والتشهير، وبين المطالبة بالمحاسبة وإصدار الأحكام المسبقة. فالدول الحديثة تقوم على مبدأ أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، بينما تعمل محاكم الإنترنت وفق قاعدة معاكسة مفادها أن المتهم مذنب حتى يثبت العكس.

إن مواجهة ثقافة الفضيحة لا تكون بالمنع أو التضييق، بل بنشر الوعي الإعلامي وتعزيز ثقافة التحقق من المعلومات واحترام الخصوصية الإنسانية. كما أن المسؤولية تقع على عاتق الجميع؛ الإعلاميين والمؤثرين والمؤسسات والجمهور، في عدم الانجرار وراء حملات التشهير أو المساهمة في تداول معلومات غير موثقة.

ويبقى السؤال الأهم: هل نريد فضاءً رقمياً يبحث عن الحقيقة أم ساحةً مفتوحة لإصدار الأحكام؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد شكل مجتمعاتنا ومستقبل خطابنا العام في السنوات المقبلة. فالعدالة لا تتحقق بالصراخ الجماعي، والحقائق لا تُبنى على الانفعالات، والكرامة الإنسانية يجب أن تبقى فوق كل ترند عابر .
 

Follow Us:
All Right Reserved © 2026