هل حقًا نعيش عصر التفاهة؟

25/06/2026 01:41

بقلم .. الدكتور ليث شبر

قديما قال الشافعي نعيب زماننا والعيب فينا ..

يكاد لا يمر يوم إلا ونسمع أحدًا يردد بحسرة ويأس لقد أصبحنا نعيش عصر التفاهة. وحين ننظر إلى ما يتصدر الشاشات، وإلى من يتصدرون المشهد العام، وإلى حجم الضجيج الذي يبتلع المعرفة، وإلى سرعة انتشار الكذب مقارنة بالحقيقة، نعم يبدو هذا الوصف مغريًا. وهنا السؤال الأهم لماذا أصبح هذا الشعور يتعاظم بهذا الشكل؟

من المؤكد أن لوسائل التواصل الاجتماعي أثرا كبيرا. لكنها في تقديري لم تصنع التفاهة بقدر ما نزعت عنها الغطاء. ففي الأزمنة السابقة كانت دائرة التأثير محدودة، وكان كثير من السلوكيات والأفكار يبقى حبيس البيئات الضيقة. أما اليوم فقد أصبح كل شيء معروضًا أمام الجميع في اللحظة نفسها. إذ منحت هذه الوسائل الإنسان العادي، والعالم، والمبدع، والمهرج، والكاذب، والجاهل، المنصة نفسها، ثم تركت الخوارزميات تختار الأكثر إثارة، لا الأكثر قيمة. وهكذا لم تخلق وسائل التواصل واقعًا جديدًا، بقدر ما جعلت الواقع كله مرئيًا، بكل ما فيه من جمال وقبح.

ثم جاءت السياسة العالمية لتعمق هذا الإحساس. فحين يرى الناس قادة دول كبرى يتبادلون التصريحات المتناقضة، وتُسوَّق الأكاذيب بوصفها حقائق، وتُدار المصالح على حساب المبادئ، ويصبح التدليس جزءًا من الخطاب اليومي، فإن الثقة بالعقل العام تبدأ بالتآكل. وما يزيد الصورة قتامة أن العالم يشاهد حروبًا يُقتل فيها المدنيون على مرأى البشرية، وتُنقل المآسي مباشرة إلى الشاشات، بينما يعجز القانون الدولي، أو يمتنع، عن وقفها. عندئذ لا يشعر الإنسان بأن التفاهة تسكن وسائل الإعلام وحدها، بل يكاد يراها وقد تسللت إلى منظومات السياسة والأخلاق والقانون.

ومع ذلك، فإن وصف عصرنا كله بعصر التفاهة يحمل شيئًا من الظلم. فهذا العصر نفسه هو الذي شهد انفجارًا معرفيًا لم تعرفه البشرية من قبل، وحقق قفزات مذهلة في العلوم والطب والذكاء الاصطناعي والاتصالات، وأتاح للباحث أن يصل إلى مكتبات العالم وهو جالس في منزله. إن المشكلة ليست في غياب العقول، بل في أن الضجيج أصبح أعلى من الصوت الهادئ، وأن اقتصاد الانتباه صار يكافئ ما يثير الانفعال أكثر مما يكافئ ما يبني الوعي.

لعلنا، إذن، لا نعيش عصر التفاهة، بل عصر انكشاف الإنسان. عصرًا ظهرت فيه الفضيلة والرذيلة معًا بلا حواجز، والعلم والخرافة في الشاشة نفسها، والحكمة والسطحية في المنصة عينها. لقد أصبحت البشرية ترى نفسها في مرآة ضخمة لا تجامل أحدًا. وما يبدو لنا تفاهةً متعاظمة قد يكون في جانب منه حقيقة كانت موجودة دائمًا، بيد أنها كانت تختبئ خلف حدود المكان وضعف وسائل الاتصال.

ويبقى السؤال الذي يستحق أن نفكر فيه جميعًا: إذا كان العصر قد كشف التفاهة، فهل سنكتفي بالتذمر منها، أم سنجعل من المعرفة والصدق والوعي قوةً قادرة على منافسة الضجيج؟ فالأزمنة لا تُعرَّف بما يطفو على سطحها، وإنما بما يتركه العقلاء فيها من أثر.

Follow Us:
All Right Reserved © 2026