استراتيجيات الردع
27/06/2026 06:30
( بقلم : الفريق الدكتور الركن محمد العسكري )
استراتيجية الابتزاز
هل لدى العراق استراتيجية دفاعية وهجومية لمكافحة الابتزاز الدولي ..
استراتيجية الابتزاز هي إحدى أنواع استراتيجيات الردع التي تستخدمها بعض الدول العظمى لتحقيق مكاسب مادية وسياسية وإعلامية وغيرها ضد دول أخرى تساويها في القدرات أو أقل منها بكثير، وتُستخدم بأوسع أشكالها. وبدأت هذه الاستراتيجية منذ فجر التاريخ، وحسب نمو المجتمعات البدائية بأفراد مارسوا الابتزاز بشكل فردي ناتج عن طبيعة بعض البشر العدائية والتسلطية على الآخرين؛ باستخدام العنف لتحقيق مصالحهم ومآربهم، ثم توسعت لتصل إلى العوائل، فنتج عنها ظهور طبقات من الإقطاع وفي بعض المجتمعات الغربية، ما يسمى بطبقة النبلاء والـ Lordates وغيرها من المسميات الأخرى.
ثم تطورت حتى أصبحت ظاهرة تعمل بها كثير من الدول، وخاصة الكبرى، تمارس وتنفذ وتخطط لهذه الاستراتيجية وتضعها في صلب عقيدتها وفكرها العسكري والسياسي والاقتصادي. وأُنشئت مراكز بحوث ومراكز علمية، وأُنفقت الكثير من الموارد من أجل صياغة أساليب متنوعة لتحقيق أهداف استراتيجية الابتزاز. وخلاصة عمل هذه الاستراتيجية تستند على عوامل أساسية هي الحصول على مكاسب سياسية واقتصادية وإعلامية وغيرها من المكاسب والتلويح باستخدام القوة أو نشر قطعات وأساطيل بحرية على سواحل الدولة المستهدفة، وتهدد باستخدامها عند الضرورة. وبعد ظهور الأقمار الصناعية ومنظومات الإنترنت والثورة الهائلة في التكنولوجيا واستخدام المنصات المتعددة، وخاصة التطبيقات الحديثة لأجهزة الهواتف النقالة التي أعطتها مزايا عديدة، أصبحت استراتيجية الابتزاز عند البعض عنوانًا رئيسيًا يوميًا يتصدر الأحداث على كافة المستويات، وظهر إضافة إلى استخدامها من قبل دول ومؤسسات، فإن كثيرًا من الأفراد واللوبيات (lobbies) تعتاش وتجني الأرباح بدون جهود عملية توازي ما تحصل عليه نظرًا لاستخدامها أسلوب الابتزاز.
فظهر كثير من المبتزين تحت عناوين باحثين أو إعلاميين أو أصحاب محتوى أو صناع قرار وغيرها من المسميات.
وأكثرهم للأسف يختبئون باسم الإعلام ليؤكدوا المقولة: «من ليس لديه مهنة فليدّعِ أنه إعلامي». واستثمرت هذه الممارسات كثير من الدول، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية في عدة أحداث في الماضي والحاضر، وكثير من الدول الأخرى مثل الاتحاد السوفيتي وبريطانيا وفرنسا. وتعتبر هذه الأساليب أحد الطرق التقليدية المستخدمة في تنفيذ هذا النوع من الردع الاستراتيجي في العلاقات الدولية لغرض إدارة الصراعات بينها، والقائمة على فكرة العمل من أجل الحصول على الكثير من الامتيازات وكسب القوة والموارد الأخرى الإضافية على حساب مجموعة دول أو دولة واحدة، دون اللجوء إلى القيام بحملات عسكرية أو شنها، وذلك بنشر الحشود العسكرية على الحدود أو مقابل السواحل البحرية، أو إنشاء قواعد عسكرية قريبة من الدولة المستهدفة، وذلك بالقيام بأعمال التلويح أو التهديد باستخدام القوة العسكرية ضد الهدف المقصود.
وتهدف هذه الاستراتيجية إلى إحداث إرهاق وإرباك في قوى الخصوم، ومحاولة شل إرادتها أو التأثير عليها في اتخاذ القرارات المناسبة حتى تصبح غير قادرة على خوض حرب أو عاجزة عن الدفاع عن مصالحها، أو محاولة قيامها بأي عمل يهدد الاستقرار والأمن الدولي. وتستند هذه الاستراتيجية على فكرة التهديد والتخويف والإيحاء باستخدام القوة والإكراه حتى تتوصل إلى أقصى درجات الضغط الإعلامي والنفسي، مما يؤدي إلى الحصول على مكتسبات المخرجات المرغوبة في السياسة الخارجية في الدولة المستهدفة.
ومن الأمثلة المعروفة في التاريخ الحديث مسألة الصواريخ البعيدة المدى التي أرسلها الاتحاد السوفيتي في بداية ستينيات القرن الماضي إلى كوبا، والتي تعرف بأزمة الصواريخ الكوبية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وكيف انصاع الاتحاد السوفيتي أخيرًا إلى مطالب الولايات المتحدة الأمريكية في ذلك الوقت مقابل التزام أمريكا بعدم إسقاط النظام السياسي في كوبا. وكذلك ما قام به وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، الذي هدد دول الخليج والدول العربية إبان حرب أكتوبر عام 1973م حين قال في ذلك الوقت: (إذا لم ترفع الدول العربية حظر تصدير النفط إلى الأسواق العالمية، وخاصة أوروبا، فإن أمريكا ستحتل آبار النفط والسيطرة عليها).
وكذلك اعتمد هذا الأسلوب الابتزازي من قبل الرئيس الأسبق للولايات المتحدة الأمريكية جورج دبليو بوش بعد أحداث سبتمبر 2001، لدفع الدول والضغط عليها للتعاون وتقديم المساعدات والتسهيلات لضمان نجاح الاستراتيجية العسكرية الأمريكية العالمية تحت مسمى (مكافحة الإرهاب). وقوله المعروف: «من ليس معنا فهو ضدنا»، والتي أصبحت أحد الركائز الأساسية في عقيدة واستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية، وأعطتها الذريعة للتدخل في الشؤون الداخلية والخارجية للدول الأخرى.
وكذلك ما قام به الكيان الصهيوني الذي مارس الابتزاز على إيران، وذلك بالتهديد باستخدام القوة بضرب برنامجها النووي من عام 2008م إلى عام 2010م، كما فعله سابقًا بالاعتداء على العراق عام 1981م بضرب مفاعل تموز النووي، وذلك باستغلال انشغال العراق بحرب الخليج الأولى. ولا يزال هذا الكيان الغاصب يمارس الابتزاز والاعتداء على لبنان وبعض الدول العربية الأخرى منذ ثمانينيات القرن الماضي إلى الوقت الحالي. وما قام به في الأيام الأخيرة بحملات عسكرية واسعة النطاق باحتلال مناطق في العمق اللبناني تصل إلى أكثر من (10 كم) حتى تجاوز نهر العاصي، بحجة تأمين حزام أمني أو ما يسمى بالخط الأصفر للمحافظة على أمن شمال الكيان الصهيوني من تهديدات حزب الله وغيرها من الحجج الواهية لتطبيق نظرية الابتزاز الاستراتيجي وجعله أمرًا واقعًا.
وفي استعراض ما جرى في الصراع الأخير بين الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني من جهة وإيران من جهة أخرى، التي استمرت كمواجهة عسكرية (39 يومًا)، والمواجهات السياسية والدبلوماسية والتفاوضية لا تزال مستمرة، وكل طرف منها يحاول كسب المزيد من الوقت والمكاسب على حساب الطرف الآخر.
حيث قامت الولايات المتحدة الأمريكية بتنفيذ استراتيجية الابتزاز على إيران من خلال نشر قوة بحرية هائلة قبالة السواحل والجزر الإيرانية والموانئ في الخليج العربي وبحر العرب والمحيط الهندي. فكان لحاملات الطائرات الثلاث العملاقة النووية USS Gerald R. Ford وUSS George H. W. Bush في رأس الرجاء الصالح وUSS Abraham Lincoln، ونشر بحدود 12 سفينة بحرية أهمها يو إس إس ميتشر ويو إس إس مايكل مورفي وغيرها. وكذلك قامت بتحشيد ونشر الطائرات الأمريكية من الجناحين الجوي والبحري بحدود أكثر من 8 طائرات من نوع (F-35C) المقاتلة و(FA-18) المقاتلة و(EA-18G) المتخصصة بالهجوم الإلكتروني وطائرات (E-2D) للقيادة والسيطرة ومروحيات عديدة متعددة المهام، إضافة إلى الصواريخ الباليستية الاستراتيجية والطائرات بدون طيار.
وهذا الحصار معزز بوجود الأسطول الخامس في البحرين، وكذلك وجود قاعدة (العديد) في قطر وقواعد أخرى في الكويت وغيرها من دول الخليج العربي. وهذا النوع الذي استخدمته الولايات المتحدة الأمريكية من استراتيجية الابتزاز ضد إيران، قابلته باستخدام الأسلوب نفسه بشكل معاكس ضد الولايات المتحدة الأمريكية. وهذا ما يسمى بالابتزاز المقابل، وذلك بقيامها بغلق مضيق هرمز. وهذا الإغلاق تسبب في أزمة اقتصادية دولية أثارت ضجة عالمية كبيرة بأسواق الطاقة والأسمدة وغيرها من البضائع بعد غلق المضيق، وتسببت في نقص الطاقة وأيضًا أحدثت إحراجات للولايات المتحدة الأمريكية.
وأثرت على سمعتها الدولية واتضح للأعيان بأنها غير قادرة على فتح مضيق هرمز، رغم قدرتها العسكرية الكبيرة، وعجزت عن جعل إمدادات البترول تتدفق إلى دول العالم.
وأثرت بشكل سلبي على اقتصاد العراق ودول الخليج العربي التي تعتمد بشكل رئيسي على تصدير النفط وكذلك الأسمدة البتروكيميائية وغيرها من البضائع والسلع الأساسية على مضيق هرمز.
وبعد نجاح إيران بتطبيق أسلوب الابتزاز المقابل، لوحت أيضًا بتوسيع هذا الأسلوب من خلال التهديد بغلق مضيق باب المندب، إذ استمرت أمريكا بالتصعيد العسكري. وهذا ما جعل الولايات المتحدة الأمريكية أن تعالج هذا الأسلوب باختيار نوع آخر من استراتيجية الابتزاز، وهو الابتزاز المزدوج، بتطبيق نظام حصار بحري صارم وطوق خارجي يمتد حول الموانئ والسواحل الإيرانية من بندر عباس وتشاه بور وبو شهر وخارق، وكافة الموانئ الإيرانية المطلة على الخليج العربي وبحر العرب والمحيط الهندي.
أي إن هذه المواجهة استُخدم فيها هذا الأسلوب على نطاق واسع من كافة الأطراف المتنازعة. فتم تطبيق استراتيجية الابتزاز والابتزاز المعاكس والابتزاز المزدوج. وهذا يؤكد أن نظريات الردع الاستراتيجي مستمرة في الصراعات والعلاقات الدولية ومهما اختلفت أشكالها.
وظهر بشكل جلي أن القوة هي العنصر الأساس المتسيدة التي أنتجت بما يسمى القوى المهيمنة والقوى الكبرى والتي ولدت الفوضى الدولية وغيرت من توازن القوى. وهذا يمهد لبداية مرحلة جديدة من استراتيجيات الردع، ومنها استراتيجية التصعيد المحدود واستراتيجية الاحتواء وغيرها. أما آن الأوان للعراق أن ينظر بعين الاعتبار إلى هذه الاستراتيجيات نظرة عميقة، وأن يقوم بإنشاء مراكز أبحاث ومؤسسات خاصة تعطي حلولًا واقعية لمكافحة الابتزاز الاستراتيجي بنوعيه، الدفاعي والهجومي، وما هي الإمكانيات المتيسرة لدى العراق في حالة تعرضه لاستراتيجية الابتزاز من قبل دول عظمى أو إحدى الدول المجاورة، وما هي إجراءاته إن فكر في يوم ما أن يستخدم قدراته وإمكانياته الاقتصادية والبشرية في تطبيق هذا الأسلوب، وخاصةً لاحظنا أن العراق يفتقد إلى كثير من الخطط الاستراتيجية لمواجهة الأزمات.
فمن خلال الصراع المتمثل الحالي بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وبعد إغلاق مضيق هرمز، بدأت مشكلة تصدير البترول العراقي الذي كان يعتمد بشكل أساسي على موانئ البصرة. عبر الخليج العربي
وإذا ما واجه العراق، لا سمح الله، معضلة أخرى مفترضة مع تركيا لأسباب متعددة، منها حرمان العراق من الإطلاقات المائية لنهري دجلة والفرات المتفق عليها دوليا، أو مشكلة حزب العمال التركي في شمال العراق، أو غيرها من الأسباب، كيف سيكون موقف العراق الاقتصادي إذا لم يمر نفطه عبر خط أنبوب جيهان ..
الدول المتحضرة تعد الخطط المستقبلية وتوضع الحلول لعشرات السنين لتحافظ على قدرات بلادها وأمنها الاقتصادي، وحفظ حقوق الأجيال القادمة. هل يستفيد العراق من هذه التجربة المريرة القاسية على اقتصاده، وتفكر حكومته بطرق علمية وواقعية لتفادي الأزمات سؤال ننتظر الإجابة عليه من الحكومة الجديدة التي نتمنى أن تنجح في وضع استراتيجيات وطنية تخدم مصالح الشعب العراقي.

