"الفساد في العراق… بين محاسبة الأفراد وإصلاح المؤسسات"
04/07/2026 06:40
( بقلم : الفريق الدكتور الركن محمد العسكري )
لا يكاد يختلف اثنان على أن الفساد أصبح أحد أكبر التحديات التي تواجه الدولة العراقية، ليس لأنه يهدر الأموال العامة فحسب، بل لأنه يقوض ثقة المواطن بالدولة، ويضعف الاقتصاد، ويعرقل التنمية، ويجعل القانون يبدو عاجزاً أمام النفوذ والمصالح.
لقد أثبت التاريخ، قديمه وحديثه، أن الأمم لا تسقط غالبًا بسبب نقص الموارد، وإنما عندما تنهار منظومة العدالة وتصبح الوظيفة العامة وسيلة للإثراء بدلاً من خدمة المجتمع. فالإمبراطوريات التي بدت راسخة في يوم من الأيام أصابها الوهن عندما استشرى الفساد في مؤسساتها، وأصبحت المصالح الشخصية تتقدم على المصلحة العامة. وفي العصر الحديث، كانت قضايا الفساد وسوء الإدارة من أبرز الأسباب التي فجرت أزمات سياسية واجتماعية في دول عديدة، وأدت إلى اضطرابات واسعة وانهيار ثقة الشعوب بحكوماتها.
أما في العراق، فإن المشكلة أكثر تعقيدًا، لأنها نتاج تراكمات طويلة من الحروب والعقوبات والتغيرات السياسية وضعف بناء الدولة بعد عام 2003، فضلاً عن نظام المحاصصة الذي أوجد بيئة سمحت بتداخل النفوذ السياسي مع الإدارة الحكومية، وأضعف معايير الكفاءة والمساءلة.
ومن هنا ينبغي التمييز بين نوعين من الفساد: فساد الأشخاص والفساد المؤسسي.
ففساد الأشخاص يتمثل في الموظف أو المسؤول الذي يستغل منصبه لتحقيق منفعة شخصية، سواء عبر الرشوة أو الاختلاس أو استغلال النفوذ أو التلاعب بالعقود.
أما الفساد المؤسسي فهو الأخطر، لأنه يتعلق بوجود أنظمة وإجراءات تسمح للفساد بالاستمرار، أو تعجز عن اكتشافه أو منعه. وعندما تكون القوانين ضعيفة، والرقابة شكلية، والإجراءات معقدة، وتغيب الشفافية، يصبح استبدال شخص فاسد بآخر أمرًا لا يغير شيئًا، لأن البيئة نفسها ستنتج الفساد مرة أخرى.
ولهذا فإن الاقتصار على ملاحقة الأفراد، مهما كانت أهميتها، لا يمثل علاجًا جذريًا. فقد يُسجن مسؤول اليوم، ويأتي آخر غدًا ليستفيد من الثغرات ذاتها. أما النجاح الحقيقي فيتحقق عندما تُبنى مؤسسات تجعل الفساد عملاً بالغ الصعوبة، لا مجرد جريمة يعاقب عليها بعد وقوعها.
وتقوم مكافحة الفساد المؤسسي على مجموعة من الإصلاحات، أبرزها رقمنة الخدمات الحكومية، وتقليل الاحتكاك المباشر بين المواطن والموظف، وإقرار نظام شفاف للمناقصات والعقود، وتعزيز استقلال الأجهزة الرقابية والقضاء، وحماية المبلغين عن الفساد، وإلزام كبار المسؤولين بالإفصاح عن ذممهم المالية، وربط الترقيات والتعيينات بالكفاءة والنزاهة لا بالمحاصصة والانتماءات السياسية.
وقد شهد العراق خلال الأيام الأخيرة حملة اعتقالات وإجراءات قانونية استهدفت عدداً من المتهمين في قضايا فساد، وهي خطوة تعكس وجود إرادة للتحرك في هذا الملف، شريطة أن تتم جميع الإجراءات وفق القانون، مع احترام قرينة البراءة، وضمان حق المتهمين في الدفاع، وترك الفصل النهائي للقضاء.
وفي الوقت نفسه، يمكن استخلاص بعض الدروس من هذه الحملات. فمن الناحية المهنية، فإن الإفراط في نشر تفاصيل التحقيقات أو الإعلان المبكر عن أسماء المطلوبين قد يمنح بعض المتهمين فرصة لإخفاء الأدلة أو تهريب الأموال أو مغادرة البلاد، كما قد يؤدي إلى انتشار معلومات غير دقيقة أو مبالغات إعلامية تربك الرأي العام. ولذلك فإن الإدارة الإعلامية لأي حملة لمكافحة الفساد ينبغي أن تحقق توازنًا بين حق المجتمع في المعرفة ومتطلبات نجاح التحقيقات وسريتها.
إن نجاح أي حملة لا يقاس بعدد أوامر القبض أو المؤتمرات الصحفية، وإنما بما تسترده الدولة من الأموال العامة، وما تكشفه من شبكات الفساد، وما تؤسس له من إصلاحات تمنع تكرار الجريمة مستقبلاً.
لقد أثبتت تجارب دول مثل سنغافورة وإندونيسيا وماليزيا أن محاربة الفساد لم تعتمد على العقوبات وحدها، بل على بناء مؤسسات قوية، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز الشفافية، وتطبيق القانون على الجميع بلا استثناء. لذلك أصبحت بيئات الاستثمار فيها أكثر جاذبية، وارتفعت مستويات التنمية والثقة بالحكومة.
واليوم، يمتلك العراق من الموارد البشرية والطبيعية ما يؤهله ليكون في مصاف الدول المتقدمة، لكن ذلك يتطلب انتقالًا من سياسة رد الفعل إلى سياسة الوقاية؛ من مكافحة الفاسدين إلى بناء مؤسسات لا تسمح بظهور الفساد أساسًا.
فالاعتقالات ضرورية عندما تثبت الأدلة وجود جرائم، لكنها ليست النهاية، بل البداية. أما المعركة الحقيقية فهي إصلاح الدولة نفسها، وإقامة منظومة إدارية ومالية وقانونية تجعل المال العام محصنًا، وتعيد للمواطن ثقته بأن القانون يحمي الجميع، وأن الوظيفة العامة مسؤولية لا وسيلة للإثراء.
إن العراق لا يحتاج فقط إلى ملاحقة الفاسدين، بل إلى بناء دولة يكون فيها الفساد استثناءً نادرًا، لا ظاهرة متكررة. وعندها فقط يمكن الحديث عن استعادة هيبة الدولة، وترسيخ سيادة القانون، وفتح صفحة جديدة من التنمية والاستقرار والعدا

