أبناء الحرامية
11/07/2026 11:18
بقلم .. جبار المشهداني .
كلما حاولت حجز موعد مع طبيبي النفساني أو النفسي أعتذر سكرتيره بحجة كثرة المرضى والإقبال المفاجيء للعشرات منهم ليلاً ونهاراً حتى وصل به الحال للقول .
( كتل على ابو الحلاوة) .
ولما طال إنتظاري قررت الذهاب دون موعد مسبق مستثمرا صداقتي بالطبيب الذي يشرف على حالتي النفسية منذ نصف قرن .
لاحظت بإستغراب شديد كثرة السيارات الحديثة المظللة قرب عيادته وهي التي عهدتها شبه مهجورة لعدم قناعة العراقيين عموما بمراجعة الطبيب النفسي أو النفساني وقلت ربما هناك طبيب آخر في العمارة تسبب مراجعوه في هذا الزحام الشديد .
دخلت إلى العيادة وتفاجأت بالعشرات من المراجعين من مختلف الأعمار ومن الجنسين وربما كان هناك جنس ثالث لم أنتبه إليه وما أن رٱني السكرتير حتى نهض ووصل إلي بصعوبة بالغة شاقا طريقه وسط المراجعين معتذرا وطالبا مني العودة بعد شهرين لإزدحام جدول المراجعين وعدم قدرة الطبيب على إستقبالي حالياً.
زادت دهشتي وسألته عن ما يجري فأجابني أنه سيتصل بي هاتفيا بعد إنتصاف الليل ليشرح لي ما يجري ، وبينما هممت بالإنصراف فتح الطبيب بابه ليناديني طالبا مني الدخول عنده فلم أكذب الخبر ودلفت مسرعاً إلى غرفته ليس لتلقي العلاج بل لتلقي الإجابة عن الأسئلة التي تزاحمت في رأسي .
ودون أن يلقي علي السلام ودون أي تردد وجه لي نداءا عاجلاً .
أريد أن تساعدني في حل الفاجعة التي نزلت بي وبسرعة .
زادت حيرتي ودهشتي وأتسعت حكاية الصمت في عيني .
فعاجلني بالقول .
هؤلاء المرضى كلهم من أبناء وبنات وعوائل (المتهمين ) بالسرقات ممن ألقي القبض عليهم وهم جميعا في حالة إنهيار نفسي شديد وكٱبة جماعية ويفكر معظمهم بالإنتحار خجلا مما حصل للٱباء والأقارب من ( المتهمين) بقضايا الفساد والسرقة والأعتداء على المال العام .
انتهى حديثه وقد إتسعت رقعة الدهشة والبلاهة عندي وزادها أكثر طلب الطبيب مني أنا المريض القادم إليه بحثا عن علاج .
قلت: كيف يمكن أن أساعدك وأنا مريض ولست طبيباً؟ .
قال : أخرج وتحدث معهم حديثاً يقنعهم بتأجيل الإنتحار الجماعي لشهر واحد فقط كي تمنحني وقتا كافياً لإيجاد حل لهذا الوباء النفسي الذي حل بهم جميعا .
توسلت إليه أن يعفيني من هذه المهمة العسيرة متعذرا بأني لست خطيباً مفوها ولا من صناع الرأي ولست فاشينستا يتابع الناس أخبار زواجي وطلاقي فكيف سيقتنعون بما أقول ؟؟؟ .
كانت إجابته مقنعة لي حيث قال : بوصفي طبيبا نفسياً أو نفسانيا أؤكد لك أنهم سيقتنعون بما تقوله لهم لأنهم يشعرون بالمرض ولا يعرفون إنك مريض بل سيهتفون بإسمك بعد إنتهاء خطبتك العصماء.
أعترضت قائلا.
من قال إني أجيد الحديث إليهم أساساً؟ .
أجابني بإحترافية عالية .
أنا طبيبك وأعرف إنك لا تجيد سوى الكلام ، أحرص على إستخدام ما تجيد وسترى النتيجة .
حاولت أن أستثمر اللحظة وأتفاوض معه للحصول على مغانم فرفعت سقف مطالبي بالقول .
إذا تحدثت إليهم وأقنعتهم هل ستقبل بعلاجي مجانًا لجلستين قادمتين ؟ .
ضحك حتى كاد أن ي... وقال .
لو طلبت مني نسبة من أرباح العيادة لقبلت ولكنك غشيم كما عهدتك .
خرجت من غرفة الطبيب ووجدتني أقف على مكتب السكرتير المتهالك ودون إنتظار تجمع المراجعون حولي ، نظرت إليهم جميعا وتفحصتهم واحداً أثر واحد والقيت عليهم خطبتي .
أيها المواطنون الشرفاء الأصلاء .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
هذا ما جناه عليكم ٱباؤكم ولستم بما جنوه بمذنبين.
أعلموا إنما هم الآن ( متهمون) وقد يطلق سراحهم بعد تسوية أو صفقة مباركة .
وإذا ثبت عليهم الجرم وتمت إدانتهم لا قدر الله فهناك قانون للعفو قد يشملهم .
فلا تحزنوا ولا تسمحوا للخوف أن يتسلل إلى أرواحكم النقية .
وتذكروا دوما أنهم كانوا دوما حاضرين في القنوات ومصوتين في القرارات وأركانا مهمة في تاريخ البلاد .
فلا يحزنكم ما تقرأون عنهم في وسائل التواصل الإجتماعي وما تسمعونه عنهم فهذه طبيعة البشر ولم يسلم من ألسنتهم العظماء طوال التاريخ الإنساني.
كونوا فخورين بهم فقد تركوا لكم إرثا عظيما وسيذكرهم التاريخ الإنساني والمهني والأخلاقي بكل خير ، فأنتم أبناء وأحفاد لمن لم يسبقهم أحد في تحقيق هذا المنجز التاريخي ولا تنسوا أنهم ( حفروا) في الجدران مجدهم بل وفي ( البلاليع) حيث باطن الأرض التي لم يفكر أحد في إستثمارها قبرا للمليارات قبلهم .
لهم المجد والمستقبل ولكم العز حيث ستقولون في المستقبل .
جدي كان وزيراً .
جدتي كانت نائبة.
وسنبقى نحن نتحسر حين نستذكر أجدادنا الفلاحين والعمال البسطاء الطيبين الطاهرين .
وفي لحظات تفرق الجميع ولم يعد صوت يسمع غير صافرات السيارات الفارهة والمواكب ووقع أقدام الحمايات المرافقة لعوائل ( المتهمين) المساكين الذين لم يكن لهم من ذنب سوى محبتهم وحرصهم وخوفهم على مستقبل البلاد والعباد .

