الشوط الثالث المواجهة بين أمريكا وإيران

11/07/2026 08:54

( بقلم : الفريق الدكتور الركن محمد العسكري ) 

في الأيام الأخيرة، وبالتزامن مع انعقاد قمة حلف الناتو في أنقرة، بدأت مواجهة الشوط الثالث في صراع الإرادات والسعي لإحباط استراتيجية طرف على حساب طرف آخر، ضمن حسابات دقيقة ناتجة عن دراسات معمقة لما حدث من مواجهات سابقة، وكيف كانت نتائجها، وما هي حسابات الربح والخسارة، و المكتسبات لكل طرف، وكيف نفذت استراتيجية الردع الأمريكي 
وما قابلها من استراتيجية ايرانية  تتمثل في الصمود والاحتواء. 
ومن حقق أهدافه؟ وكيف ستقرأ التفاصيل الدقيقة للمواجهة الثالثة بين الأطراف المتصارعة؟ 
قراءات مختلفة .

1- قراءة في الاهداف الأمريكية. 

في العقيدة العسكرية الأمريكية هناك بعض الثوابت وقناعات راسخه لسياقات العمل في مفهومهم ان الدولة القوية هي التي تدير معاركها خارج أراضيها ونفوذها. وترى الولايات المتحدة الأمريكية في موافقتها على المصادقة على مذكرة التفاهم مع إيران، لأنها تسعى  لكسب الوقت من أجل ترميم الأضرار العسكرية والاقتصادية التي نتجت عن المواجهات السابقة. فهاجسها الأهم هو فتح مضيق هرمز ولو كان لمدة (60) يومًا أمام البواخر والسفن التجارية، وضمان تدفق البترول إلى الأسواق العالمية، الذي أدى إلى خفض أسعار الطاقة، مما قلل من الضغوطات الداخلية التي تتعرض لها الإدارة الأمريكية، وكذلك الضغوطات الدولية الأوروبية والخليجية ومن دول شرق وأواسط آسيا، نتيجةً لارتفاع الأسعار إلى أرقام قياسية.

وكذلك سعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى إعادة تقييم ما حققته من أهداف عسكرية، وهل حققت ما رسمت إليه قبل المواجهة؟ بالتأكيد لم تحقق جميع الأهداف. فالقيام باغتيال القيادات السياسية والعسكرية من الصف الاول وتدمير معظم البنى التحتية الصناعية 

 وكذلك تطبيق حصار بحري صارم على الموانئ والسواحل الإيرانية وعلى معظم المنافذ التجارية مما ادى الى خسائر اقتصادية باهضة . واستفادت من الفترة وقف إطلاق النار بتفعيل وتسريع معاملها الصناعية لإنتاج الذخائر وسد النقص الحاد في جبهات القتال، والحاجة الملحة للطلب على الذخائر من قبل بعض حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك على أسلحة الدفاعات الجوية من قبل الكيان الصهيوني الذي يعاني في جنوب لبنان، وكذلك الطلبات المتزايدة والمتكررة من أوكرانيا لمواجهة القدرة الصاروخية والجوية الروسية الهائلة، ومطالب دول الخليج العربي لحماية منشآتها من الاستهداف الإيراني، ومطالبتها الشديدة بدفاعات جوية ومضادات للصواريخ البالستية والطائرات المسيرة لحماية منشآتها الحيوية  وخاصة الكويت والبحرين والأردن. وكذلك استطاعت الإدارة الأمريكية من استغلال عامل الوقت بتنفيذ نظرية التقنية المضادة المتضمنة كشف أساليب المخادعة والمناورة الإيرانية بالتوازي مع القيام بعمليات المضاربة المعاكسة من أجل إحباط مناورات ومراقبة تقنياتها المستحدثة وإجبار وإحباط مساعي إيران نحو كسب الوقت لاستكمال استعداداتها القتالية، وإحباط أيضًا محاولة الحصول على المساعدات من حلفائها والعمل على تقويض مصادرها الاستخباراتية المختلفة. 2- قراءات في الأهداف الإيرانية. 

ترى إيران في موافقتها على مذكرة السلام التي أبرمت في سويسرا مؤخراً، أنها قد تحقق مكاسب جديدة لم تستطع الحصول عليها في اتفاقية عام (2015) الموقعة مع الولايات المتحدة الأمريكية. وتتمثل هذه الأهداف برفع الحصار التدريجي، وإطلاق الأموال المجمدة، والضغط على الولايات المتحدة الأمريكية، بردع نتنياهو ومنعه في الاستمرار بضرب المقاومة اللبنانية، واحتلال الجنوب اللبناني. وأهم ما يعنيها هو كسب الوقت لترميم بنيتها الصناعية والاقتصادية والاستعداد لأي مواجهة قادمة من خلال اعادة تفعيل منتجاتها الحربية وتعويض ما خسرتَه من منصات ومعامل، و إخراج منصات الصواريخ المدفونة تحت الأرض سابقًا لإعادة تشغيلها، وجعلها مطرقة جديدة قد تستفاد منها في المفاوضات القادمة، وإصرارها على استثمار التحكم بمضيق هرمز وإدارته لغرض فرض واقع جديد بالسيطرة عليه. والحصول على جباية وأموال من خلال استعمالها لمصطلح جديد وهو خدمات الحماية في المضيق لتعويض الخسائر التي نتجت عن الحرب، والتخلي بذلك عن مطالبتها لأمريكا بتعويضات مالية لإعادة بناء البنى التحتية الإيرانية، وتعتبرها كبادرة حسن نية للتنازل عن هذا المطلب في المفاوضات القادمة، واستبدال المطالبة بالتعويضات الأمريكية بالجباية في مضيق هرمز من خلال تقديم الخدمات لعبور السفن والبواخر التجارية، واستثمار عامل الوقت لترميم الداخل ورص الصفوف من جديد.

وتعمل إيران وفق نظرية التمويه الاستراتيجي، وهو عدم التعبير والإفصاح عن النيات والأهداف الحقيقية لعملها الاستراتيجي أمام خصمها وأبقاء الأهداف الحساسة والمهمة قيد الكتمان، وعدم إظهار نقاط الضعف من خلال إدارتها للمفاوضات بكتمان شديد، حيث لا يعلم الوفد المفاوض الامريكي 

من هو صاحب القرار النهائي في المفاوضات، ومن يحكم فعليًا في إيران، هل هو المرشد الأعلى أم الحرس الثوري أم الحكومة المنتخبة أم وزارة الخارجية أم رئاسة البرلمان الإيراني؟ هذه استراتيجية التمويه التي اتبعتها إيران لتشتيت أفكار المقابل وجعله يلهث وراء سراب الحلول الدبلوماسية.

إن هذه المناورة، باعتقاد الإيرانيين، تؤدي إلى التلاعب بأنفعالات وقرارات القيادة الأمريكية، وتصعد درجات الغضب، وتجعلها تفكر بخيارات أخرى لاعتقادها بأن هذا الأسلوب يجبر المقابل. فقدان توازنه وتركيزه في اتخاذ القرارات المهمة، أي بمعنى مبسط بأن مبدأ المراوغة هو مبدأ لتجنب خصم قوي يفوق بقدرات عسكرية هائلة وإمكانيات كبيرة. 
وإيران تعتقد بأن ورقة مضيق هرمز هي الورقة الأقوى، وقرار عدم التنازل عنها سيجنبها الخوض بعمق في ملفات عديدة مثل البرنامج النووي ورفع الحصار والإفراج عن الأموال المجمدة وإنهاء الاعتداءات الإسرائيلية والاعتداءات على لبنان وغيرها. 

3- قراءات أهداف دول الخليج العربي ولبنان.

 تعمل هذه الدول وفق مبدأ الحرب التي لا تستطيع كسبها، أعمل بكل شيء لتجنبها، والجوء إلى الدبلوماسية والتفاوض قدر الإمكان، والبدء بالتهدئة وتكون وسيطًا في إنهائها. و تحاول هذه الدول استخدام مهارة العقل. مستندة على الذكاء والخبرة والقدرة على التحليل والتقديرات المفيدة لتجنب العواقب، والاستمرار في ممارسة سياسة ضبط النفس، وعدم الانجرار لمستنقع الحرب مع الاحتفاظ بقدراتها السياسية والدبلوماسية ، وحق الدفاع عن النفس بالتصدي وليس بمحاولة الرد بهجمات مقابلة على الاستهدافات العسكرية. وتدرك جيدًا أنه ليس هناك ضمان مؤكد حول كسب نتائج الحرب من قبل الولايات المتحدة الأمريكية مقابل تواجد إيران الجغرافي الدائم مع محيطها. 
أسباب التصعيد واستخدام القوة.

أدركت الولايات المتحدة الأمريكية أن فترة الهدنة الـ (60) يومًا قد تشارف على الانتهاء، وأن ما تم تحقيقه في مذكرة التفاهم لن يشفي غليلها بالحصول على نصر واضح. 
يختلف عما حققه الديمقراطيون في عهد أوباما عام 2015، وأن استمرار إيران في التحكم بمضيق هرمز أمر لا يطاق لكبرياء أمريكا، فعملت على أسلوب . اختارت توقيتاته بدقة متناهية وبذكاء وخبث. فعملت على استغلال وجود الرئيس الأمريكي ترامب في مؤتمر قمة قادة الناتو في أنقرة، وهو محاط بزعماء الدول الأوروبية، كنوع من استعراض القوة الأمريكية أمام قادة الحلف، ولإظهار أن أمريكا ما زالت القوة العظمى في العالم، فإنه من السهل الحصول على قرارات صعبة وحاسمة تتخذ تجاه إيران. ولأجل جس نبض ردود الفعل الإيرانية في مضيق هرمز، تم السماح لسفينتين محملتين، واحدة بالغاز والأخرى بالبترول، قطرية وسعودية، بالإبحار في الممر المائي الدولي الذي لم تحدده إيران كممر آمن، وعدم إعطاء الإذن من قبلها.

ويبدو أن هذا الاجراء من قبل الإدارة الأمريكية يسعى ال جس نبض ردود الافعال إلايرانية. فإن لم تعترض إيران السفن، فإنها بكل تأكيد رضخت للقرار الأمريكي وستخسر ورقة المضيق  في المفاوضات القادمة . وإن اعترضت ايران السفن برداً عسكري، وهذا ما حدث، وهذا اعطاه المبررات لأمريكا لشن ضربات على  أهداف جديدة في إيران. وذلك بقيامها خلال يومين متتاليين بقصف أكثر من (60) هدفًا في اليوم الأول كما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية، وفي اليوم الثاني (90) هدفًا، وشملت مناطق في بندر عباس وأبو موسى وجزيرة خارك، وكذلك في شمال إيران، ضرب جسري سكة الحديد في منطقة     آق قلا، وضرب معظم الأهداف العسكرية  على الساحل الايراني المطل على الخليج العربي وبحر العرب .

واستغلت الولايات المتحدة الأمريكية وجود الرئيس ترامب في أنقرة والضغط على قادة دول حلف الناتو والذي استطاعت من خلاله الحصول ولأول مره على شبه تأييد دولي لم يسبق لها أن حصلت عليه سابقًا خلال مواجهتها مع إيران والسؤال، استراتيجية من تغلبت في هذه المرحلة؟ هل الاستراتيجية الأمريكية أم الاستراتيجية الإيرانية؟ ويبقى الصراع على المصالح مستمرًا وقد يكون مشروع لكل دولة. وأين مصالح العراق في هذه الأزمات يا قادة العراق؟
 

Follow Us:
All Right Reserved © 2026