الزيدي في البيت الأبيض

12/07/2026 06:31

( بقلم : د. ليث شبر )

يصل رئيس الوزراء علي فالح الزيدي إلى البيت الأبيض محمولًا على لحظة عراقية وإقليمية شديدة التعقيد. فهو لا يذهب إلى واشنطن بوصفه رئيس حكومة استقرت أقدامها وأكملت بناء رؤيتها، بل بوصفه رئيسًا جديدًا جاء بعد مخاض سياسي طويل، وتشكّل حوله توافق أمريكي وإيراني وعراقي نادر، أو هدنة مؤقتة بين مصالح متعارضة سرعان ما ستختبرها الوقائع.

وقبيل زيارته، نشر الزيدي مقالًا في صحيفة واشنطن بوست بعنوان «لماذا أتوجه إلى واشنطن؟»، قدّم فيه صورة العراق الذي يريد أن يراه صناع القرار الأمريكي كدولة تستعيد احتكار القوة، وتنزع سلاح الجماعات المسلحة، وتفتح اقتصادها أمام الشركات الكبرى، وتغادر مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة صناعة الفرص.

ولم يكن اختيار واشنطن بوست عبثًا أو اعتباطًا. فرئيس الوزراء لم يكتب مقاله ليشرح للعراقيين ما أنجزه، بل كتب إلى النخبة الأمريكية وصنّاع القرار والمستثمرين ومراكز النفوذ، وأراد أن يصل إلى البيت الأبيض قبل وصول طائرته إليه.

لغة المقال ذكية ومناسبة للعقلية السياسية والاقتصادية للرئيس دونالد ترامب. فقد تحدث الزيدي عن النتائج والاستثمار والطاقة والبنية التحتية والصناعة والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، وأشار إلى خبرته في قطاع الأعمال، وربط نجاح العراق بثقة المجتمع الدولي ووضوح الرؤية والبيئة الاستثمارية الجاذبة. وهو خطاب يفهم أن إدارة ترامب تبحث عن النتائج والمصالح والصفقات القابلة للقياس.

وقد أصاب الزيدي في رغبته بنقل العلاقة العراقية الأمريكية من إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص. فمنذ عام 2003 بقيت هذه العلاقة أسيرة الحرب والإرهاب والقواعد العسكرية وإيران والجماعات المسلحة والدولار. كما أصاب في التركيز على الاستثمار، لأن العلاقة مع الولايات المتحدة لا ينبغي أن تبقى عسكرية أو أمنية. فالولايات المتحدة مركز عالمي للعلم والتكنولوجيا والاقتصاد والجامعات والابتكار، والعراق يحتاج إلى شراكة معها في الطاقة والمياه والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح المصارف والتعليم والصحة والزراعة والنقل.

بيد أن المقال، على ما فيه من لغة متماسكة وطموح واضح، يضع رئيس الوزراء أمام التزامات ثقيلة. فالزيدي يقول إن حكومته أحرزت، خلال أقل من ستين يومًا، تقدمًا في نزع سلاح عدد مهم من الجماعات المسلحة وفتحت الباب أمام دمجها في مؤسسات الدولة. والإدارة الأمريكية لن تقيس ذلك بعدد البيانات أو مراسم تسليم أسلحة محدودة، بل بقدرة الدولة على احتكار قرار الحرب والسلم والسيطرة على السلاح والتمويل والقيادات.

واحتكار الدولة للقوة لا يعني نقل المسلح من لافتة إلى أخرى، ولا إدخال تشكيل كامل إلى المؤسسات مع بقائه خاضعًا لقيادته القديمة ومرجعيته الخارجية. فالدمج الذي لا يذيب الولاءات الموازية داخل العقيدة الوطنية قد ينقل مشكلة السلاح من خارج الدولة إلى داخلها، ويجعلها أكثر تعقيدًا وخطورة.

ولا يكفي أن يقول العراق للولايات المتحدة إنه يقف على مسافة واحدة من الصراعات، لأن المسافة السياسية تقاس بأفعال الدولة لا ببلاغة البيانات. فقد شهد العراق قبل أيام مراسم واسعة لتشييع المرشد الإيراني علي خامنئي، رافقتها مظاهر أظهرت حجم النفوذ الإيراني داخل مؤسسات الدولة والقوى السياسية والمسلحة. وهنا يظهر التناقض الأكبر الذي سيحمله الزيدي معه إلى البيت الأبيض: فهو يريد تقديم العراق بوصفه دولة متوازنة ومستقلة، بينما جاءت حكومته من منظومة سياسية ما زالت قوى أساسية فيها ترتبط بإيران سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، وما زال نظام المحاصصة نفسه قادرًا على تقييد رئيس الحكومة وتقاسم الدولة بين القوى النافذة.

لذلك ستتعامل واشنطن مع الزيدي على أساس ما يستطيع فعله، لا ما يستطيع قوله. وقد دعم الرئيس ترامب اختياره بعد أن عارض عودة نوري المالكي، ووجّه إليه دعوة لزيارة واشنطن، ومنحه بذلك قوة سياسية في بداية عهده، بيد أن هذا الدعم يرتب عليه التزامات أيضًا، لأن الإدارة الأمريكية ستنتظر نتائج في ملف السلاح والتحويلات المالية وحماية المصالح الأمريكية وتوسيع فرص الشركات.

ومع ذلك، سيكون من الخطأ أن يذهب رئيس الوزراء إلى واشنطن بذهنية الاستجابة للمطالب الأمريكية وحدها. فرئيس الحكومة العراقية لا يمثل وسيطًا بين الولايات المتحدة والجماعات المسلحة، ولا مديرًا لمصالح الدول المتنافسة، بل يمثل دولة ذات سيادة ومصالح وحقوق.

وعليه أن يتحدث أيضًا عن الأخطاء الأمريكية في العراق. فالولايات المتحدة أسقطت النظام السابق من دون أن تمتلك مشروعًا ناضجًا لبناء الدولة، وأسهمت سياساتها الأولى في تفكيك المؤسسات وفتح أبواب الصراع والمحاصصة، ثم تعاملت مع العراق طويلًا من زاوية أمنية ضيقة، ودعمت حكومات وشخصيات وقوى لم تبن دولة، وغضت الطرف أحيانًا عن الفساد وسوء الإدارة ما دامت التوازنات السياسية والأمنية قائمة.

كما يجب أن تنتقل إدارة الأموال العراقية عبر النظام المالي الأمريكي من علاقة الرقابة والارتياب والضغط إلى برنامج مشترك لإصلاح القطاع المصرفي، ومنع غسل الأموال، وحماية العملة، وإدماج العراق في النظام المالي العالمي.

إن العلاقة المتوازنة لا تعني أن يستبدل العراق التبعية لإيران بالتبعية للولايات المتحدة، ولا أن يصبح ساحة أمريكية لمواجهة إيران، مثلما لا يجوز أن يبقى ساحة إيرانية لمواجهة أمريكا. نريد علاقة تقوم على المصالح المتبادلة والوضوح والاحترام، تحترم فيها الولايات المتحدة استقلال القرار العراقي، ويلتزم فيها العراق بحماية البعثات والشركات والمصالح الأجنبية وفق القانون، ويمنع أي طرف داخلي من استخدام أرضه وسلاحه وماله في حروب الآخرين.

كما نريد تفعيل اتفاقية الإطار الاستراتيجي بما يتجاوز أبوابها الأمنية، من خلال شراكة علمية وتكنولوجية واقتصادية واسعة، وربط الجامعات ومراكز البحث، واستقطاب الشركات الرصينة، وإقامة مشاريع في الطاقة والمياه والاتصالات والنقل والصناعات المتقدمة، ونقل المعرفة بدل الاكتفاء بشراء الأجهزة والخدمات.

بيد أن دعوة الشركات الأمريكية إلى الاستثمار تحتاج إلى دولة تصلح بيئتها الداخلية أولًا. فالمستثمر لا يأتي بالخطابات، بل يأتي إلى دولة يعرف فيها القانون، ويثق بقضائها، ويحصل فيها على الترخيص والطاقة والحماية، ويطمئن إلى أن عقده لن يصبح رهينة حزب أو مسؤول أو جماعة مسلحة.

لقد تحدث الزيدي عن العراق بوصفه مركزًا اقتصاديًا إقليميًا محتملًا، وهذه رؤية صحيحة. فموقع العراق وثرواته وسوقه وقوته البشرية تؤهله ليكون جسرًا بين الخليج وتركيا وإيران وبلاد الشام، ومركزًا للطاقة والنقل والتجارة والصناعة والاقتصاد الرقمي. لكن ذلك لا يتحقق باقتصاد ريعي يعتمد على النفط، وتتضخم فيه الوظيفة الحكومية، ويتراجع فيه القطاع الخاص والإنتاج الوطني.

أما انتهاء مهمة التحالف الدولي في 30 أيلول، فمن الحكمة أن يكون بداية لمرحلة جديدة لا نهاية للعلاقة. فالعراق لم يعد يحتاج إلى وجود عسكري مفتوح، لكنه يحتاج إلى تعاون أمني واستخباري وتدريبي وتقني يحفظ سيادته ويرفع قدراته، ضمن اتفاقات واضحة بعيدًا عن الشعارات التي تستخدم الوجود الأمريكي مادة للمزايدة، ثم تطلب الحماية والتسليح والدعم في الغرف المغلقة.

زيارة الزيدي إلى البيت الأبيض فرصة حقيقية، لكنها لن تتجاوز الصورة البروتوكولية والصفقات المعلنة إذا لم تستند إلى مشروع عراقي متكامل. فالعلاقات الدولية لا يبنيها لقاء ناجح وحده، بل مؤسسات تتابع، وفرق تفاوض محترفة، وتشريعات تنفذ، وحكومة تفرض قراراتها على الجميع.

لقد كتب رئيس الوزراء في خاتمة مقاله أن الأمم العظيمة لا تصنعها المصادفة، بل تبنيها إرادة واعية تغتنم اللحظة التاريخية. وهذه عبارة جميلة، بيد أن اختبارها يبدأ بعد عودته من واشنطن.

عندها سيكون عليه أن يثبت أن الدولة التي تحدث عنها في الواشنطن بوست موجودة في بغداد أيضًا؛ وأن احتكار السلاح قرار عراقي لا استجابة أمريكية، وأن الانفتاح الاقتصادي إصلاح شامل لا مجموعة عقود، وأن التوازن الإقليمي استقلال في القرار لا توزيعًا للرسائل بين طهران وواشنطن، وأن سيادة القانون تشمل الحليف والخصم والفصيل والحزب والمسؤول.

ورؤيتنا في المبادرة الوطنية للإصلاح واضحة  فالعراق لا يحتاج إلى الاندكاك في محور جديد، بل إلى بناء دولة سيادية ذكية مدنية تمتلك قرارها وسلاحها ومالها، وتجعل علاقاتها الدولية امتدادًا لمصالح شعبها. كعراقيين نريد الولايات المتحدة شريكًا في بناء هذه الدولة لا وصيًا عليها، ونريد العراق صديقًا موثوقًا لا تابعًا ولا خصمًا موسميًا.

سيدخل الزيدي البيت الأبيض قريبًا، وسيعود محملًا بما سيجري الاتفاق عليه، بيد أن القيمة الحقيقية للزيارة ستبدأ في بغداد، حيث تتحول الوعود إلى قرارات، والكلمات إلى دولة.
 

Follow Us:
All Right Reserved © 2026