المواجهة الأمريكية الإيرانية.. حرب الفواصل ونواصل

18/07/2026 07:14

( بقلم : الفريق الدكتور الركن محمد العسكري )

المتتبع للمواجهة الأمريكية الإيرانية منذ أكثر من (5) أشهر إلى الآن، يلاحظ أن الصراع من الناحية العملياتية هي مواجهة جوية بحرية فقط، هدفها تقويض القدرات العسكرية والتأثير على الاقتصاد وضرب البنى التحتية. ومن الناحية الاستراتيجية، فإن الجانب الامريكي خطط لتكون مواجهة احتوائية، والعمل وفق مبدأ التهديد المحدود. ومن الطرف الآخر فإن إيران تطبق استراتيجية حرب الاستنزاف لمواجهة عدو يفوقها قدرات عسكرية واقتصادية كبيرة لا يمكن مواجهته بصورة مباشرة.

ففي العقيدة العسكرية الأمريكية هناك مفاهيم وثوابت تعمل عليها القيادات العسكرية الأمريكية في المواجهات المتعددة التي شنتها مع دول عديدة. وأجرت عليها تحديثات تتناسب مع تطورات الحرب الحديثة والثورة التكنولوجية الهائلة والذكاء الاصطناعي الذي بدأ يسيطر على معظم الخطط والاستراتيجيات العسكرية تستوحي الولايات المتحدة الأمريكية في استراتيجية الاحتواء على مذكرة رقم (68) للأمن القومي الأمريكي، والتي تقتضي بأن تستخدم الولايات المتحدة الأمريكية قدراتها العسكرية والاقتصادية والسياسية من أجل الحفاظ على الهيمنة الأمريكية واستمرارية إدامة تفوقها العسكري في العالم من خلال استخدام وتفعيل كافة الوسائل المعلنة والمخفية لتحقيق أهدافها. واستمرت في تنفيذ هذه الاستراتيجية وأضافت عليها الشرعية بذريعة حق الدفاع عن النفس.

وأهم مرتكزات هذه الاستراتيجية: 

أولًا : الرد الانتقامي أو المدمر أو الشامل، كما حدث ذلك عندما استخدمت القوات الأمريكية قدراتها في احتلال أفغانستان والعراق. 

ثانيًا: الردع المرن أو الرد المرن، والذي بدأ يستخدم عوضًا أو بديلاً عن الرد الصارم أو الانتقامي في اعلاه كما يطبق الآن في المواجهة مع إيران في منطقة الخليج العربي. 

ثالثًا: الحرب المتدرجة، 

وتعتمد بشكل رئيسي على صد نشاط العدو وكبح نفوذه الاستراتيجي من خلال تطبيق استراتيجية الحرب المتدرجة في تصعيدها، وذلك من خلال (النظرية التناسبية) في المواجهة، أي التعامل مع قدرات ونشاط وسلوك المقابل بقدر الخطوات التي يتخذها وحجم الأسلحة والتهديد الذي يمارسه في المواجهة. إن هذه المرتكزات نُفذ معظمها في المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، 
رابعًا: استراتيجية الضغط. المحسوبة. 

مارست الولايات المتحدة الأمريكية نوعًا وحجمًا معينين من الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية والإعلامية وغيرها على إيران من أجل الحصول على مكتسبات محددة والعمل على انصياعها حتى تصل الى مرحلة التجاوب المطلوب 

ولن يهدف هذا الإجراء إلى تدمير أو تفكيك مصالح إيران. بشكل كامل، مما يؤدي إلى التمادي وعدم الاستجابة بتحقيق ما تم التخطيط له من أهداف معينة أو الاستجابة لمطالب المجتمع الدولي. وتكون الضغوطات محسوبة بعقلانية ودقة متناهية حسب المفهوم الأمريكي، بحيث لا يؤدي إلى انهيار الوضع الأمني بشكل كامل كما حدث سابقا في أفغانستان والعراق. وهذا ما يتم العمل به الآن في المواجهة المستمرة مع إيران. أي

بمعنى أن الولايات المتحدة الأمريكية استفادت من أخطائها السابقة في الساحة الاسيوية
وعمدت على عدم وضع إيران في زاوية ضيقة تجبرها على اتخاذ قرارات متهورة، وجعلها تقتنع بأنها تدافع في الخط الأخير، بمعنى ليس لديها خيار سوى الحياة أو الموت. وعملوا أن يكون الضغط على شكل موجات محددة لا تصل إلى الاجتياح الشامل أو الكاسح كما مورست هذه الأساليب من خلال الحصار الاقتصادي وضرب أهداف منتقاة وهذا ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا ضد روسيا بفرض عقوبات وحصار اقتصادي منذ عام 1914م بسبب الحرب الأوكرانية. فلذلك عمدت الولايات المتحدة الأمريكية إلى تطبيق هذه الاستراتيجية ضد إيران، ولكن الملفت للنظر أن حرب الفواصل، فمنذ 28 يناير من العام الحالي بدأت المواجهه الاولى (12) يوماً تبعها فاصل اي هدنه ثم مواجهه ثانية استمرت (39) يوماً من عمليات تجريد وتفوق جوي وبحري 

وبالمقابل قامت إيران بضرب المصالح الأمريكية في دول الخليج العربي وبعض الدول العربية الأخرى التي تعتقد إيران أنها تأوي قواعد ومصالح أمريكية. ثم هدنة وتوقيع مذكرة سلام في سويسرا لمدة (60) يومًا، وخُرقت الهدنة منذ الأسبوع الماضي، حيث تجددت المواجهة من جديد وزادت موجات الضربات الأمريكية لتشمل موجات عنيفة، واتخاذ إجراءات لم يسبق لها سابقًا استخدامها نتيجةً لتعرضها إلى انتقادات حادة داخلية وخارجية. بسبب عدم قدرتها على حسم المعركة، وحتى تمكنها من فتح مضيق هرمز، والذي تسبب بأزمة اقتصادية خانقة لمعظم دول العالم. مما جعلها تقوم بأعمال تكثيف وتوسيع بنك الأهداف المستهدفة داخل الأراضي والسواحل الإيرانية، حتى شمل معظم الساحل الجنوبي الغربي من إيران، وضرب أهداف غاية في الأهمية من منظومات الدفاع الجوي ومنصات صواريخ وأبراج مراقبة في بندر عباس وجزيرة خارك ومدينة بوشهر وجزيرة قشم وبندر خمير. ثم تطورت الاستهدافات بضرب أكثر من ستة جسور في هرمزغان وضرب مقرات وضرب مطارات مثل إيرانشهر وقواعد جوية وبحرية، وكذلك إصابة الجسر الرابط بين بندر عباس وبوشهر.

وتوسعت إلى ضرب محطات طاقة في منطقة الحميدية في الأحواز. وهناك أنباء عن التفكير الجدي بضرب جبل الفأس، الذي يُعتقد أنه يحتوي على بعض المصانع للأسلحة النووية الإيرانية في الشمال من إيران. واستخدمت لأول مرة الولايات المتحدة الأمريكية الزوارق المسيرة الغير مأهولة، والتي يصل مداها إلى أكثر من 180 كم وتحمل حوالي نصف طن من المتفجرات مع التجهيزات وبسرعة اكثر من 60 كم والتي استهدفت الموانئ الإيرانية على الساحل الجنوبي الغربي. وكذلك قيام الولايات المتحدة الأمريكية بتحريك أكثر من 70 طائرة خاصة بتزوّد بالوقود إلى القواعد العسكرية في الكيان الصهيوني، وهذا مما يرجح أنها قد تقوم بعمليات قصف للمفاعلات النووية الإيرانية. ولكن تبقى هذه المواجهة خارج كل الحسابات العسكرية والاستراتيجية، إنها مواجهة معقدة، وحرب هجينة وغير محسومة، وتحتاج بين فترة وأخرى إلى هدنة، أي فاصل لالتقاط الأنفاس وإعادة الحسابات وتصحيح السلبيات والأخطاء، ثم تتواصل بعد أن يعجز الطرفان عن تحقيق مأربهم في التفاوض.

وبذلك، تأتي الحروب الحديثة بدروس ومفاجآت تؤثر على توازن القوى وعلى الاستخدامات العسكرية في المستقبل
 

Follow Us:
All Right Reserved © 2026