من واشنطن إلى طهران.. الصعود والهبوط
24/07/2026 03:59
( بقلم : د. ليث شبر )
لم تمضِ سوى أيام قليلة على زيارة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي إلى واشنطن، حتى انتقل منها إلى طهران، وكأن العراق أراد أن يختصر في أسبوع واحد كل أزمته السياسية منذ عام 2003: خطوة إلى الأمام، ثم عودة سريعة إلى الوراء؛ محاولة للخروج من المدار الإيراني، يعقبها اندفاع لإثبات البقاء فيه.
في واشنطن، ظهر الزيدي بصورة رئيس حكومة يريد أن يعيد تقديم العراق إلى العالم. تحدث عن الاستثمار، وحصر السلاح، واستعادة سلطة الدولة، وفتح أبواب الاقتصاد العراقي أمام الشركات الكبرى. ووقّع العراق خلال الزيارة عشرات الاتفاقيات والشراكات، ولا سيما في قطاعات النفط والغاز والكهرباء، في محاولة لإعادة بناء الثقة الدولية بالاقتصاد العراقي وجذب الشركات الأمريكية إليه.
كانت الزيارة، بصرف النظر عن الملاحظات التي سجلناها عليها، صعودًا في صورة العراق. فقد أوحت بأن بغداد بدأت تدرك أن موقعها الطبيعي ليس في ذيل محور إقليمي، بل في قلب شبكة واسعة من المصالح العربية والدولية، وأن الدولة التي تريد النهوض لا تستطيع أن تبقى رهينة السلاح والفساد والاقتصاد المغلق.
بيد أن زيارة طهران جاءت في توقيت بالغ السوء، وبصورة بددت جانبًا مهمًا من ذلك الصعود.
المشكلة ليست في أن يزور رئيس وزراء العراق إيران. فإيران دولة جارة، والعلاقة معها حقيقة جغرافية وسياسية واقتصادية لا يستطيع عاقل إنكارها. لكن العلاقات بين الدول لا تقاس بعدد الزيارات، بل بطبيعة الدولة التي نزورها، واللحظة التي نزورها فيها، والرسالة التي نحملها إليها، والصورة التي نعود بها منها.
وإيران اليوم ليست دولة تعيش ظرفًا طبيعيًا يمكن التعامل معه كما لو أن المنطقة مستقرة. إنها تواجه عزلة عربية ودولية واسعة، وتخوض صراعًا عسكريًا مفتوحًا مع الولايات المتحدة، وقد أعلنت إغلاق مضيق هرمز، فعطلت أحد أهم شرايين الطاقة والتجارة في العالم. كما طالت هجماتها السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت وعُمان والأردن، فيما تحولت دول المنطقة إلى ساحات للردود والرسائل العسكرية المتبادلة.
وفي ظل هذا المشهد، لا يمكن لزيارة رئيس الحكومة العراقية إلى طهران أن تُقرأ بوصفها زيارة ثنائية عادية. فالتوقيت يمنحها معنى سياسيًا أكبر من نصوص الاتفاقيات، ويجعلها تبدو كأنها رسالة طمأنة عاجلة إلى إيران بعد النجاح الذي حققته زيارة واشنطن.
وكان الأجدر بالحكومة أن تستثمر رصيدها الأمريكي والدولي في تعزيز القرار الوطني داخل بغداد، لا أن تسارع إلى تبديد جزء منه في طهران.
إن سياسة التوازن لا تعني أن يذهب المسؤول العراقي إلى واشنطن فيتحدث بلغة الدولة، ثم يذهب إلى إيران فيعود إلى لغة المحاور. ولا تعني أن كل خطوة باتجاه العالم يجب أن تتبعها خطوة لتسكين مخاوف طهران. فهذه ليست سياسة توازن، بل اعتراف ضمني بأن إيران ما زالت تملك حق الاعتراض على اتجاه العراق وخياراته.
الدولة المتوازنة لا تطمئن العواصم إلى نفوذها داخلها، بل تطمئن شعبها إلى استقلال قرارها.
أما الحديث عن توأمة بغداد وطهران، فهو من أكثر ما حملته الزيارة بؤسًا على المستوى الرمزي والسياسي. فبغداد ليست مدينة تبحث عن هوية في عاصمة أخرى، ولا هي فرع حضاري أو سياسي لطهران. بغداد عاصمة دولة ضاربة في التاريخ، وكانت في أوجها مركز العالم، وصانعة للعلم والثقافة والسياسة، ولم تكن يومًا توأمًا تابعًا لمدينة أخرى.
ولماذا طهران تحديدًا في هذه اللحظة؟
لماذا لا تتوأم بغداد مع عمّان أو الرياض أو أبوظبي أو القاهرة أو بيروت أو باريس أو لندن أو واشنطن ضمن شبكة واسعة من العلاقات المدنية والثقافية؟ ولماذا يصر بعض صناع القرار على تكريس صورة العراق جزءًا من المجال الإيراني، حتى في القرارات التي لا يترتب عليها نفع حقيقي للمواطن؟
إن هذه التوأمة ليست قرارًا بلديًا بريئًا، بل إشارة سياسية سيئة، لأنها تأتي في ذروة الصراع بين إيران والعالم، وفي وقت يحاول العراق إقناع العرب والغرب بأنه يغادر مرحلة التبعية ويبني قراره المستقل.
والأخطر من ذلك كله أن العلاقة مع إيران لا تقتصر على التجارة والدبلوماسية والجوار. فالنظام الإيراني الذي يقوده الحرس الثوري بنى خلال العقود الماضية محورًا واسعًا من الجماعات المسلحة، وربط أجزاء من المجال العربي بمشروعه العسكري والأيديولوجي. وفي العراق ما زالت قوى السلاح المرتبطة بهذا المحور تعمل خارج القرار الكامل للدولة، وتملك قدرات عسكرية وسياسية واقتصادية تتجاوز حدودها القانونية.
هذه القوى لم تعد تهدد خصومها وحدهم، بل تهدد العراق نفسه.
فهي تضرب أربيل والمنشآت النفطية والمصالح الدولية، وتدفع البلاد إلى صراعات لم يخترها شعبها، وتضع الدولة في مواجهة دول المنطقة والعالم. وقد أظهرت التطورات الأخيرة مجددًا أن المجموعات المسلحة المدعومة من إيران تستطيع أن تستخدم الأرض العراقية ومقدراتها في خدمة المواجهة الإيرانية الأمريكية، فيما تعجز الحكومة عن فرض قرار واحد للحرب والسلم.
ومن هنا لا يمكن فصل زيارة طهران عن قضية السلاح.
فالزيدي الذي تحدث في واشنطن عن نزع سلاح الجماعات وحصر القوة بيد الدولة، كان عليه في طهران أن يتحدث باللغة نفسها، وأن يعلن بوضوح أن العراق لن يقبل بعد اليوم تمويل أو تسليح أو توجيه أي قوة تعمل خارج مؤسساته. وكان عليه أن يجعل وقف التدخل الإيراني في ملف الفصائل شرطًا عراقيًا معلنًا، لا موضوعًا هامشيًا يُناقش خلف الأبواب.
أما أن نسمع في واشنطن كلامًا عن الدولة، ثم نشاهد في طهران احتفاءً بالشراكة الاستراتيجية والتوأمة وتوسيع العلاقات، من دون موقف معلن من النفوذ والسلاح، فهذا يترك انطباعًا بأن الحكومة تريد رضا الطرفين، حتى لو دفعت الدولة ثمن هذا الرضا.
إن الصراع بين الولايات المتحدة وإيران ليس خلافًا دبلوماسيًا محدودًا. إنه صراع بلغ مستوى الضربات اليومية، والهجمات على القواعد، واستهداف البنى العسكرية والاقتصادية، وإغلاق الممرات البحرية وتهديد أمن المنطقة بأسرها. والعراق يقع في مركز هذا الصراع جغرافيًا وسياسيًا وأمنيًا، ولذلك فإن أي غموض في موقفه قد يحوله مرة أخرى إلى ساحة تصفية حسابات.
كان يمكن للزيارة أن تؤدي وظيفة مختلفة. كان يمكن للزيدي أن يذهب إلى طهران ممثلًا لدولة قوية، فيطالب بوقف الهجمات على دول الجوار، وفتح مضيق هرمز، واحترام سيادة العراق، وإنهاء دعم القوى المسلحة، وعدم تحويل بغداد إلى بوابة للالتفاف على العزلة والعقوبات.
كان يمكن له أن يقول للإيرانيين إن العراق ليس جزءًا من حربهم مع الولايات المتحدة، ولا منصة لضرب الخليج، ولا خزانًا بشريًا وماليًا لمحور الحرس الثوري.
بيد أن الخطاب الذي رافق الزيارة والاتفاقيات المعلنة أعاد إنتاج المفردات القديمة ذاتها: عمق العلاقات، والشراكة الاستراتيجية، وتوسيع التعاون، وكأن شيئًا لم يحدث في المنطقة، وكأن الصواريخ لم تسقط على دول عربية، وكأن مضيق هرمز لم يُغلق، وكأن العراق لا يدفع كل يوم ثمن النفوذ الإيراني في سياسته وأمنه واقتصاده.
إن العراق لا يحتاج إلى عداء مع إيران، لكنه يحتاج إلى نهاية التبعية لها.
ولا يحتاج إلى القطيعة معها، لكنه يحتاج إلى حدود واضحة تمنعها من إدارة الداخل العراقي بواسطة الأحزاب والفصائل والمال والسلاح. فحسن الجوار لا يعني أن يصبح الجار شريكًا في تشكيل الحكومات، ولا أن يملك أدوات ضغط داخل البرلمان والدولة، ولا أن تتحول العلاقة معه إلى قيد على علاقات العراق العربية والدولية.
ما حدث بين واشنطن وطهران يكشف أن الزيدي ما زال أمام اختبار صعب: هل يريد إدارة التوازنات التي صنعت النظام السابق، أم يريد تأسيس توازن جديد يقوم على سيادة العراق؟
في واشنطن صعدت صورة العراق، لأن رئيس وزرائه ظهر وكأنه يتحدث عن دولة جديدة وفرص جديدة وشراكات واسعة. وفي طهران هبطت هذه الصورة، لأن الزيارة أعادت إلى الواجهة العراق القديم؛ العراق الذي يهرع إلى طمأنة إيران، ويوقع معها في لحظة عزلتها، ويمنحها ما تحتاجه من صور سياسية، بينما ما زالت أدوات نفوذها تعمل في داخله.
الصعود لا تصنعه الطائرات التي تقل المسؤولين إلى العواصم الكبرى، بل تصنعه قدرة الدولة على اتخاذ قرارها.
والهبوط لا يبدأ من ضعف الاستقبال أو قلة الاتفاقيات، بل من اللحظة التي ينسى فيها المسؤول العراقي أنه يمثل بغداد، فيتصرف وكأنه يحمل إليها رسائل الآخرين.
من واشنطن إلى طهران لم تكن المسافة بضعة آلاف من الكيلومترات، بل كانت مسافة بين صورتين للعراق: دولة تريد أن تنهض، ومنظومة ما زالت تشدها إلى الوراء.

