العراق ولبنان.. التحديات والمصير
26/07/2026 03:17
بقلم .. الدكتور ليث شبر
لي مع لبنان حكاية تمتد قرابة عشرين عامًا. ففي أيار 2008 تشرفت برئاسة الوفد العراقي الرسمي الذي قدّم التهنئة للرئيس اللبناني العماد ميشيل سليمان بمناسبة تسنمه رئاسة الجمهورية في واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخ لبنان الحديث. يومها لم تكن الزيارة بروتوكولية في نظري، بل كانت مناسبة لطرح رؤية أوسع تتجاوز السياسة اليومية، وفي مقدمتها إعادة تفعيل خط بانياس بوصفه مشروعًا استراتيجيًا يربط العراق ببوابته على البحر الأبيض المتوسط. وقد عدت إلى هذا المشروع في مقالات عديدة، كان آخرها مقال «بانياس.. سبقنا الجميع»، لأنني كنت وما زلت أؤمن بأن الدول لا تتقدم بردود الأفعال، بل بالأفكار التي تسبق الزمن.
واليوم، وبعد زيارة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى واشنطن، وما أعقبها من زيارة الرئيس اللبناني جوزيف عون إلى العاصمة الأمريكية، ثم استقبال بغداد لرئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، أجد أن هذه المحطات ليست أحداثًا منفصلة، بل حلقات في مشهد إقليمي جديد تُعاد فيه صياغة العلاقات وموازين القوى في الشرق الأوسط. ومن هنا فإن أي قراءة للعلاقة العراقية اللبنانية ينبغي أن تتجاوز البيانات الرسمية، وأن تبحث في موقع البلدين داخل هذا التحول الكبير.
قد تبدو زيارة نواف سلام إلى بغداد حدثًا دبلوماسيًا اعتياديًا، وقد يبدو الحديث عن العلاقات الثنائية والشراكة الاقتصادية بندًا مألوفًا في البيانات الرسمية، بيد أن الواقع يقول إن العراق ولبنان يواجهان اليوم امتحانًا واحدًا، لأن أزماتهما لم تعد منفصلة، بل أصبحت تنتمي إلى نموذج سياسي واحد، مهما اختلفت التفاصيل والوجوه.
فالبلدان يمتلكان طاقات بشرية هائلة، وموقعًا جغرافيًا مهمًا، وتاريخًا ثقافيًا عريقًا، ومع ذلك تعثر مشروع الدولة فيهما لعقود طويلة. ففي العراق كما في لبنان، لم تكن المشكلة في نقص الموارد، بل في ضعف الدولة، وتشابك القرار الداخلي مع النفوذ الخارجي، وتحول التوازنات الطائفية والحزبية إلى بديل عن مفهوم المواطنة وسيادة القانون. وحين يضعف مركز الدولة، تتقدم المراكز الأخرى، وتصبح السياسة إدارةً للأزمات بدل أن تكون صناعةً للمستقبل.
ولعل القاسم المشترك الأخطر بين البلدين هو السلاح الخارج عن الإطار الطبيعي للدولة. فالدولة لا يمكن أن تكون قوية إذا تقاسمت سلطتها قوى أخرى تمتلك قرار الحرب والسلم أو تؤثر فيه. وهذه ليست قضية أمنية فحسب، بل قضية اقتصادية واستثمارية أيضًا، لأن رأس المال يبحث عن الاستقرار، ولا يزدهر في بيئة تتعدد فيها مراكز القوة.
ومن زاوية أخرى، فإن إعادة إحياء المشاريع الاستراتيجية، وفي مقدمتها خط بانياس، لم تعد فكرة اقتصادية فحسب، بل أصبحت جزءًا من رؤية أوسع لإعادة رسم خرائط الطاقة والتجارة والنقل في المنطقة. فالعراق يحتاج إلى منافذ متعددة على البحر، ولبنان يحتاج إلى شراكات اقتصادية حقيقية، والمنطقة كلها تتجه نحو إعادة بناء ممراتها الاستراتيجية. ولهذا فإن التفكير بعقل الدولة يفرض أن تُبنى هذه المشاريع على المصالح الوطنية والسيادة الكاملة، لا على حسابات المحاور المتصارعة.
إن لقاء بغداد ليس مناسبة بروتوكولية فحسب، بل فرصة لإعادة طرح السؤال الكبير: هل نريد علاقة بين حكومتين، أم شراكة بين دولتين قادرتين على صناعة المستقبل؟ فالتاريخ يعلمنا أن تشابه الأزمات قد يقود إلى تشابه المصائر، لكنه يعلمنا أيضًا أن الإرادة السياسية تستطيع أن تكسر هذا المسار إذا امتلكت الشجاعة لبناء دولة تحتكر القرار، وتستعيد ثقة مواطنيها، وتجعل السيادة قاعدة لكل تعاون، لا شعارًا يرفع في المناسبات.
ويبقى الأمل أن يدرك العراق ولبنان أن إنقاذ أحدهما لا ينفصل عن إنقاذ فكرة الدولة نفسها. فالمستقبل لن تصنعه البيانات المشتركة، ولا الصور التذكارية، بل سيصنعه القرار الوطني المستقل، والدولة القوية، والرؤية التي تسبق الزمن كما تسبق الأحداث.

