هل يمكن القضاء على الفساد بالرقمنة وحدها؟
29/07/2026 04:35
بقلم .. الدكتور كاظم العقابي
خلال السنوات الأخيرة، اتجهت كثير من الدول إلى أتمتة الإجراءات والتحول الرقمي باعتبارهما من أهم أدوات الإصلاح الإداري ومكافحة الفساد. إلا أن السؤال الجوهري الذي ينبغي أن نطرحه هو:
هل تكفي التكنولوجيا وحدها لبناء إدارة نزيهة؟
الإجابة هي: لا.
فالأتمتة تعني تحويل الإجراءات الورقية أو اليدوية إلى إجراءات إلكترونية، أما الرقمنة فهي مرحلة أوسع، تقوم على إعادة تصميم أساليب العمل والخدمات والقرارات بالاعتماد على التكنولوجيا. ومع ذلك، فإن كليهما يبقيان أدوات تنفيذ، وليسا بديلاً عن الإدارة الرشيدة.
فالفساد لا ينشأ لأن الإجراءات ورقية، وإنما ينشأ عندما تكون الصلاحيات غير محددة، والمسؤوليات متداخلة، والرقابة ضعيفة، والمساءلة غائبة، والقرارات تخضع للاجتهادات الشخصية بدلاً من القواعد المؤسسية.
لذلك، فإن تحويل الإجراء الورقي إلى إجراء إلكتروني لا يضمن بالضرورة الحد من الفساد إذا بقيت بيئة العمل نفسها تعاني من الخلل. فالأنظمة الإلكترونية لا تصنع النزاهة، وإنما تنفذ ما صُممت عليه. فإذا كانت الإجراءات معيبة، أو الصلاحيات غير منضبطة، أو الضوابط الرقابية ضعيفة، فإن الرقمنة قد تُسرّع تنفيذ الخلل بدلاً من معالجته.
وهنا يأتي دور الحوكمة المؤسسية، فهي التي تضع القواعد المنظمة للعمل، وتحدد بوضوح من يملك صلاحية اتخاذ القرار، ومن ينفذه، ومن يراقب نتائجه، وكيف تتم المساءلة، وكيف تُدار المخاطر، وذلك من خلال سياسات وإجراءات وأدلة صلاحيات واضحة.
ولهذا، لم يقتصر المحور السابع من المنهاج الوزاري لحكومة السيد علي الزيدي، المعنون "الحوكمة والإصلاح المؤسسي ومكافحة الفساد"، على الدعوة إلى التحول الرقمي، بل أكد أيضاً على ترسيخ الحوكمة المؤسسية من خلال تحديد المسؤوليات، وإقرار أدلة الإجراءات، وتنظيم مسارات اتخاذ القرار، وتعزيز أنظمة المتابعة والتقييم، وترسيخ مبادئ الشفافية والنزاهة وإدارة المخاطر.
إن الإصلاح المؤسسي يبدأ أولاً ببناء منظومة حوكمة سليمة، ثم تأتي الرقمنة لتدعم هذه المنظومة، فترفع كفاءتها، وتزيد من شفافيتها، وتُحكم الرقابة عليها.
وباختصار:
الأتمتة تنفذ الإجراءات.
والرقمنة تطور أساليب العمل.
أما الحوكمة المؤسسية فتحدد كيف تُدار المؤسسة ومن يُساءل عن نتائجها.
لذلك، فإن مكافحة الفساد لا تبدأ من شاشة الحاسوب، بل تبدأ من بناء مؤسسة تُدار بالأنظمة لا بالأشخاص، وبالمساءلة لا بالاجتهادات، وبسيادة القانون لا بتعدد مراكز القرار.
فالرقمنة تُحسّن الوسيلة... أما الحوكمة المؤسسية فتُصلح المنظومة.

