انتهاك السيادة بلا توقف

29/07/2026 04:55

بقلم .. الدكتور ليث شبر
إذا أردنا أن نفهم ما يجري اليوم، فعلينا أن نقرأ تاريخ العراق أولًا. لنجد أن السيادة العراقية لم تكن مستقرة حتى قبل ولادة الدولة العراقية الحديثة، واستمرت تتعرض للانتهاك بعد تأسيسها، ولم يتوقف ذلك إلى يومنا هذا. فمنذ أن كان العراق قلب المنطقة ومفترق طرق الإمبراطوريات، وهو يعيش تحت ضغط القوى الكبرى وطموحات الجوار، حتى أصبح الدفاع عن السيادة واحدًا من أكثر الشعارات تكرارًا، وأقلها تحققًا على أرض الواقع.

لقد عرف العراق الاحتلالات الأجنبية، والحروب الإقليمية، والانقلابات، والحصار، والاحتلال المباشر، ثم توالت بعد عام 2003 أشكال جديدة من التدخل الخارجي، حتى أصبحت أراضيه مسرحًا لضربات أمريكية، وإيرانية، وتركية، وإسرائيلية، وغيرها. ولم يكن ذلك نتيجة قوة الآخرين وحدها، بل نتيجة ضعف الدولة العراقية في فرض سلطتها الكاملة على أرضها وقرارها.

لكن الإنصاف يقتضي أن نعترف بأن السيادة لا تُنتهك من الخارج وحده، بل تُستنزف أيضًا من الداخل. فالدولة التي لا تحتكر السلاح، ولا تفرض قرارها على جميع القوى المسلحة، تمنح الآخرين الذريعة للتدخل، سواء اتفقنا مع تلك الذريعة أم رفضناها. ولهذا فإن السيادة ليست بيان إدانة يصدر بعد كل أزمة، وإنما مشروع دولة يبدأ باحتكار القوة، وإنهاء ازدواجية القرار، ومنع أي جهة من جر العراق إلى صراعات لا تخدم مصالحه الوطنية.

والضربات الأخيرة لم تأتِ في فراغ سياسي، بل جاءت بعد زيارة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي إلى واشنطن، التي أعلن خلالها التزامه ببناء دولة تحتكر السلاح، وتعزيز الشراكة مع الولايات المتحدة، ثم أعقبتها زيارته إلى طهران وتركيا، وكان يستعد بعدها للتوجه إلى المملكة العربية السعودية. ومع ذلك كله، لم تتردد الولايات المتحدة والسعودية في توجيه ضربة كبيرة استهدفت مؤسسة قانونية ترتبط بالقائد العام للقوات المسلحة. وهذه ليست ضربة عسكرية فحسب، بل رسالة سياسية واضحة مفادها أن ما قُدم في واشنطن لم يكن كافيًا لإقناع الحلفاء بأن الدولة العراقية أصبحت صاحبة القرار الأمني الكامل، وأن القلق ما زال قائمًا من استمرار استخدام الأراضي العراقية في صراعات المنطقة.

ويبقى التحدي الحقيقي أمام الزيدي اليوم. فهل قرأ الرسالة كما أراد مرسلوها أن تُقرأ؟ وهل سيدرك أن ما قيل في واشنطن لم يعد يكفي، وأن المجتمع الدولي والإقليمي ينتظر أفعالًا لا تصريحات؟ إن إدانة انتهاك السيادة واجب وطني، لكن حماية السيادة لا تتحقق بالإدانة وحدها، وإنما بقرارات شجاعة تعيد للدولة احتكار السلاح وقرار الحرب والسلم. وهذه هي اللحظة التي ستحدد ما إذا كانت حكومته ستكتفي بإدارة الأزمات، أم ستبدأ فعلًا ببناء الدولة التي وعد بها.

وفي الوقت نفسه، فإن أي موقف وطني مسؤول يجب أن يبدأ باستنكار إراقة دماء العراقيين في هذه الأحداث، فدم العراقي ليس هامشا في صراع إقليمي، ولا يجوز أن يتحول إلى ثمن تدفعه البلاد كلما تصاعد التوتر بين القوى المتنافسة. كما أن رفض انتهاك السيادة العراقية يجب أن يقترن برفض استخدام العراق منصة للاعتداء على أي دولة، لأن السيادة لا تتجزأ، ومن يطالب الآخرين باحترام حدوده عليه أن يمنع استغلال أراضيه للإضرار بجيرانه.

لقد آن الأوان لأن يخرج العراق من هذه الدائرة المغلقة المشروخة. فلا يكفي أن نندد بالطائرات التي تخترق أجواءنا، إذا كنا نعجز عن معالجة الأسباب التي تجعلها تجد لنفسها مبررات للتدخل. والسيادة الحقيقية لا تبدأ عند الحدود، بل تبدأ في بغداد، عندما تكون الدولة وحدها صاحبة القرار، والسلاح، والعلاقات الخارجية، وعندما يصبح العراق وطنًا مستقلًا بإرادته، لا ساحةً مفتوحة لصراعات القوى الإقليمية والدولية . وعندها فقط، يمكن أن نقول إن انتهاك السيادة الذي لازم العراق طويلًا قد بدأ يقترب من نهايته.

Follow Us:
All Right Reserved © 2026