عشر نصائح للزيدي لمواصلة الطريق

01/08/2026 07:18

( بقلم : د. ليث شبر )

وأنا أكتب هذا المقال تراءت أمامي خبرة أكثر من ٢٣ عاما قضيتها في أروقة السلطة وأول ما يجب معرفته أن نجاح رؤساء الحكومات لا يقاس بعدد الاجتماعات التي يعقدونها، ولا بعدد البيانات التي تصدرها مكاتبهم الإعلامية، بل بقدرتهم على اتخاذ القرارات التي تغير مسار الدولة. 
فالعراق لم يعد يحتمل إدارة الأزمات، ولا تدوير المشكلات، ولا تأجيل الاستحقاقات. وما يزال رئيس الوزراء علي فالح الزيدي يمتلك فرصة حقيقية لكتابة صفحة مختلفة في تاريخ الدولة العراقية، لكن هذه الفرصة تضيق مع الزمن، لأن السياسة لا تمنح فرصًا مفتوحة، بل تمنح لحظات حاسمة لا تتكرر كثيرًا.

أولى النصائح أن يجعل الدولة فوق جميع التفاهمات السياسية، فلا يسمح لأي اتفاق أو تسوية أن تكون على حساب الدستور أو السيادة أو هيبة القانون. فالدولة القوية لا تقوم على موازين القوى، بل على قوة المؤسسات وعدالة القانون، وكل تأخير في هذا المسار يعني منح الأزمة وقتًا إضافيًا للنمو.

والنصيحة الثانية أن يحسم ملف السلاح خارج الدولة حسمًا لا يحتمل التأويل. فلا يمكن بناء اقتصاد مزدهر، أو جذب استثمارات رصينة، أو حماية القضاء، أو ترسيخ الثقة بالدولة، ما دام القرار الأمني موزعًا بين أكثر من جهة. إن احتكار الدولة للقوة ليس شعارًا سياسيًا، بل هو الشرط الأول لقيام أي دولة حديثة.

أما الثالثة، فهي فتح معركة الفساد من قمته لا من قاعدته. فالعراقيون لا يريدون حملات إعلامية جديدة، بل يريدون أن يروا كبار الفاسدين أمام القضاء، وأن يشعروا بأن المال العام لم يعد مباحًا لأصحاب النفوذ، لأن استعادة الثقة بالدولة تبدأ من استعادة هيبة العدالة.

والرابعة أن يستكمل حكومته وينهي إدارة الوزارات والهيئات بالوكالة، وأن يفتح الباب أمام الكفاءات الوطنية المستقلة، لأن المحاصصة أثبتت خلال أكثر من عقدين أنها تنتج الولاء للحزب قبل الولاء للدولة، بينما تحتاج المرحلة إلى رجال دولة لا إلى ممثلي كتل سياسية.

أما الخامسة، فهي أن يتحول الاقتصاد إلى مشروع وطني للإنتاج، لا إلى اقتصاد يعتمد على الاستيراد والاستهلاك. فالعراق يمتلك الأرض والمياه والثروات والطاقات البشرية، لكنه ما زال يستورد جزءًا كبيرًا من احتياجاته. إن دعم الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والاستثمار المنتج هو الطريق الحقيقي لحماية الاقتصاد والسيادة معًا.

والسادسة أن يحافظ على علاقات متوازنة مع جميع دول العالم، لكن من موقع الدولة المستقلة. فالعراق ليس ساحة لتصفية الحسابات، ولا ينبغي أن يكون تابعًا لأي محور. إن أفضل سياسة خارجية هي التي تجعل بغداد شريكًا للجميع، من دون أن تتحول إلى ورقة بيد أحد.

أما السابعة، فهي أن يحول ما تحقق في انفتاح العراق الخارجي إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين. فالاتفاقيات والزيارات لا تُقاس بعدد المؤتمرات والصور، بل بما تضيفه من كهرباء، وفرص عمل، واستثمارات، وتكنولوجيا، وبنى تحتية، وخدمات يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

والثامنة أن يبدأ بإصلاح مالي جريء ينقل العراق إلى عصر السيادة النقدية الرقمية. فالعالم يتجه بسرعة نحو العملات الرقمية التي تصدرها البنوك المركزية، بينما ما زال العراق يعتمد منظومات تقليدية تستنزف الوقت والمال وتفتح منافذ واسعة للفساد والاقتصاد الموازي. إن إطلاق الدينار الرقمي العراقي تحت إشراف البنك المركزي، ودراسة مشروع «أور كوين» بوصفه عملة رقمية سيادية وطنية تستلهم اسم مدينة أور، سيمنح العراق فرصة لبناء نظام مالي أكثر شفافية وكفاءة، ويعزز مكانة الدينار، ويهيئ الاقتصاد الوطني للدخول بثقة في عصر الاقتصاد الرقمي.

أما التاسعة، فهي إطلاق مشروع وطني للتحول الرقمي وبناء الدولة الذكية، بحيث تصبح التكنولوجيا أداة للإدارة الرشيدة، ومكافحة الفساد، وتسريع الخدمات، وتحسين كفاءة المؤسسات، وليس وسائل إلكترونية متفرقة لا يجمعها مشروع وطني متكامل.

وتبقى النصيحة العاشرة هي الأهم؛ أن يفكر الزيدي بما سيتركه للعراق بعد انتهاء ولايته، لا بما يحققه من مكاسب سياسية آنية. فالمناصب إلى زوال، أما الأثر فيبقى. والتاريخ لا يسأل كم بقي المسؤول في السلطة، بل يسأل ماذا فعل وهو فيها، وهل اقترب بالعراق من الدولة التي يستحقها أبناؤه.

إن العراق لا يعاني من نقص في الثروات ولا في العقول ولا في الموقع الجغرافي، بل يعاني من نقص في القرارات الكبرى. وإذا امتلكت الحكومة الإرادة لتطبيق هذه المسارات، فإنها لن تكون قد نجحت في إدارة مرحلة سياسية فحسب، بل ستكون قد وضعت الأساس لقيام دولة مدنية ذكية، قوية بسيادتها، مزدهرة باقتصادها، وعادلة بمؤسساتها. وعندها فقط يمكن القول إن الطريق لم يتوقف عند بداية الولاية، بل استمر حتى مشروع الدولة الذي ينتظره العراقيون منذ عقود.
 

Follow Us:
All Right Reserved © 2026