مقاربات واختلافات في الأُطر الفكرية بين الديمقراطية وفلسفات معاصرة

10/08/2026 10:04

( بقلم : د. عامر الدليمي )

الديمقراطية والفلسفة الواقعية المثالية واوجه التشابه  الفكري بينهما.

الحلقة الثانية

مع وجود أفكار وفلسفات معاصرة متشابهه في مفاهيمها تصب في مصلحة الإنسان ، نجد هناك عدم توافق أوتطابق تام ، خاصة بين الباحثين والمثقفين على رأي واحد بصورة شاملة وكاملة ، فكل واحد ينطلق من أفكار يؤمن بها لتقديمها ، أو عدم الإيمان بها حسب قدرته الثقافية والعلمية وآرائه الفلسفية ، المستندة للنقد والتحليل أو بيان ما يذهب اليه من قناعات ، وهناك آراء تتطابق معها بنسب مختلفة في الطروحات والآراء ، لذلك فإن  إستعراض المفهوم الديمقراطي والفلسفة الواقعية وتبيان اوجه التشابه الفكري بينهما لا يخرج عن الإطار المعرفي لهما وتأشير ذلك ، فالديمقراطية ممارسة تقدم برنامج ونتائج ملموسة من خلال المشاركة في الإنتخابات البرلمانية للأحزاب السياسية والحركات ومنظمات المجتمع المدني  كحقيقة واقعة ، والفلسفة الواقعية هي كل شيئ حقيقي ، وإدعاءات تُثبت واقعيته وتتناسب مع حالته ، لذلك فالمفهومان الديمقراطية والواقعية في هذا الوصف يشكلان مفهوم واحد لحالة متشابهه ، ومن المبادئ الأساسية للفلسفة الواقعية إعتبار الواقع موجود حقيقة ، وأن العالم وما فيه موجود أيضاً لايمكن إنكار وجوده وهو أساس التجربة ، وأن الإنسان جزء من هذا الوجود ، ويستطيع اكتشافه من خلال التجربة والمعرفة والملاحظة والتعايش فيه ، والمعرفة تعتمد على العقل والأفكار والرأي ووجهات النظر التي تنص على حقيقة الأشياء مادياً، كما في الممارسة الديمقراطية كعملية حقيقية واقعية أثبتت وجودها فعلياً في الأنظمة الديمقراطية، و المؤسسات المدنية التي تتعامل وتتعاطى معها إدارة لتحقيق مصالح عامة ، لها قواعد واضحة ومن واجباتها تقديم إداء أفضل ، ومن لزومياتها تلبية وتأمين حاجات الإنسان الأساسية لتمكينه فعلياً ممارسة حقه في الحياة ،،، وكما أن الديمقراطية تؤمن بأن الإنسان في العملية الإنتخابية له دور واضح وعمل حقيقي مساهم فيها ، إذ تشعر بأهميته كحقيقة واقعة ، كذلك الفلسفة الواقعية تشير الى أن الإنسان جزء حي من هذا الواقع  ، يستطيع اكتشاف المعرفة في عالمه من خلال التجربة والملاحظة بالاعتماد على العقل في الحياة، ليكتسب المعرفة والأفكار ثم يدركها بالحواس ، لأن الوجود في الحياة هو أساس الحقائق ، ويرى الفيلسوف ( ارسطو) أن وجودنا في الحياة هو أساس الحقائق ، أي ان الحقائق تنبع من الواقع فيمكن مشاهدتها وملاحظتها من التجارب والخبرات ، والواقعية تؤكد ان الحقائق مكانها ليس في العقل بل أمامنا وحولنا في الحياة ، وعلى أرض الواقع وعلى كل ما عليك فعله هو أنت عيش هذه التجربة فتلاحظ الحقائق (١) . ولذلك نرى ان العملية الديمقراطية هي وجود لواقع عملي في الحياة ، وكما تؤمن الفلسفة الواقعية  بالحياة ، لها تصورات تختلف في طبيعة عملها المادي ، وحالة تكوينها وتمايز الاشياء فيها ، وفي طرائقها التي تنظم عملها ، كإنسان أو هواء أو مواد اخرى ، فالعالم الطبيعي أساسه مادي وهو قائم بذاته ، والديمقراطية جزء من أساس عملها مادي آلات ميكانيكية ونظم الكترونية ، وصناديق اقتراع  وعامل بشري يدير هذه الآلات ويقوم بتحريكها حسب وظيفتها كعامل مساعد للعملية الديمقراطية في الانتخابات البرلمانية ، والواقعية هي الاعتقاد في حقيقة المادة ، والحقيقة موجودة في عالم الاشياء ووجودها حقيقي وواقعي (٢) . وبنفس الفكرة والمضمون للواقعية ، فهل يمكن إنكار العملية الديمقراطية في حياة الانظمة الديمقراطية، وإنكار ممارستها وهي واقع عملي يشارك فيها أحزاب وحركات سياسية تتبنى إديولوجيات متعددة واشخاص بأعداد كبيرة جداً ، يمثلون الشعب بكل إنتماءاته وطوائفه واتجاهاته ، والواقعية تقوم أساساً على الاعتقاد في حقيقة المادة ، فالكون ليس خدعة أو عدم وجوده بل أنه وجود حقيقي وجوهري والأشياء الموجودة فيها أيضاً، وإزاء الديمقراطية في الانظمة الديمقراطية ، ليس خدعة وإنما ممارسة عملية شعبية سياسية ، وحاجة للتطور المجتمعي تساعد على الملائمة بينها والشعب في مناخ من الحرية بأطر حديثة ومناقشات وانتقادات ومقارنات سياسية للتطلع نحو مستقبل أفضل ، كممارسة عملية ميدانية باسلوب حضاري حداثي ، كما تقدم الفلسفات المعاصرة كالواقعيةالمثالية أفكار حداثية معاصرة ، لخدمة المجتمعات الإنسانية وحالة للتطلع نحو مستقبل أفضل ، وممارسة باسلوب ثقافي فكري حداثي للإصلاح الاجتماعي والثقافي ، ولذلك نرى أن الواقعية تتفق في عدد من جوانبها مع الممارسة الديمقراطية ،  وربما تختلف معها في بعض جوانب اخرى ، فالواقعية المثالية تحاكي الواقع والديمقراطية تحاكي الواقع أيضاً وهي الممثل عنه عند  ممارستها فعليا ، وبالتالي لايمكن إنكار وجودها ، كحقيقة قائمة لها دلالاتها وموقعها ، كحقيقة ثابتة مؤكدة عملياً وممارسة فعلية ، والواقعية هي منهج فكري يجمع بين المثالية التي تهدف الى القيم والاهداف العليا والواقعية التي تراعى الظروف والامكانيات المتاحة ، وتسعى لتحقيق غايات سامية دون ان تنفصل عن واقع الحياة اليومية وتسعى نحو القيم الفاضلة مثل العدل والخير ، وفي السياسة وضع خطط مستقبلية مثالية مقبولة الحلول الممكنة ضمن القيود الحالية مع بناء خطوات عملية بسيطة وثابتة لتحقيقها (٣) . والديمقراطية هكذا ايضاً  تسعى من خلال ممارستها عملياً كهدف نحو تحقيق غايات سامية ، تدل على وعي ثقافي ومشاركة اجتماعية واعية ضمن خطوات واجراءات وآليات ونظام وقواعد قانونية مقبولة اجتماعياً ودستورياً ، وحاجة لمستقبل أكثر تفاؤلاً، وطموحات حياتية تطبق وفق خطوات عملية لإسعاد المجتمعات البشرية ، التي تُطَبَق فيها الديمقراطية التي تحترم الانسان وحريته وكرامته في الحياة ، والتعبير عن رأيه كحق ثابت ومقبول ، خاصة اذ كان متوافق مع المصلحة العامة للبلد الذي يعيش فيه واقعاً وحقيقة .
 

Follow Us:
All Right Reserved © 2026