الإيرادات الجمركية في العراق.. ارتفاع يستوجب التحقق والمساءلة
17/08/2026 08:42
( بقلم : رئيس هيأة المنافذ الحدودية السابق د. كاظم العقابي )
بين تحسن الرقابة وتغير التعرفة والقيم الكمركية... من يدفع ثمن الزيادة؟
شهدت الإيرادات الجمركية في العراق خلال السنوات الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا، ولا سيما خلال عامي 2024 و2025، وصولًا إلى أرقام كبيرة يجري الإعلان عنها خلال عام .2026
ومع أهمية هذا الارتفاع بوصفه مؤشرًا محتملًا على تحسن أداء الدولة في تحصيل الإيرادات غير النفطية، فإن التعامل معه باعتباره دليلًا تلقائيًا على نجاح الإصلاح الجمركي أو الأتمتة أو مكافحة الفساد يحتاج إلى قدر أكبر من التدقيق والتحليل ، فالرقم وحده لا يكفي... والمساءلة تبدأ من الرقم.
من يجبي الإيرادات؟ ومن يراقب؟
من المهم أولًا التمييز بين أدوار المؤسسات.
فالهيئة العامة للجمارك هي الجهة المختصة باستيفاء الرسوم الجمركية، في حين تؤدي هيأة المنافذ الحدودية دورًا رقابيًا وتنسيقيًا على المنافذ والدوائر العاملة فيها ، وهذا الدور الرقابي ليس هامشيًا؛ إذ إن كفاءة الرقابة في المنفذ يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في حجم الإيرادات التي تصل إلى الخزينة العامة ، فعندما تكون إجراءات الرقابة محكمة، وتتم مطابقة البيانات والمستندات والبضائع، وتُمنع حالات التهرب والتلاعب، فمن الطبيعي أن تتحسن عملية التحصيل الجمركي.
وبالعكس، فإن ضعف الرقابة قد يؤدي إلى تسرب جزء من الإيرادات المستحقة من خلال التلاعب بالقيم أو التصنيف أو الكميات أو البيانات، أو من خلال صور أخرى من التهرب والتجاوز.
ومن هنا فإن العلاقة بين هيئة المنافذ وهيئة الجمارك ليست علاقة جباية من جهة ورقابة من جهة أخرى فحسب، وإنما هي منظومة متكاملة لحماية المال العام.
لكن... أين الحقيقة في الأرقام؟
هنا تبرز مسألة تستحق التوقف والمساءلة.
فقد أعلنت الهيئة العامة للجمارك أن إيرادات شهر تموز من عام 2026 بلغت نحو 560 مليار دينار، في حين
صدر عن هيأة المنافذ الحدودية رقم يقارب 500 مليار دينار للشهر نفسه ، الفارق يبلغ نحو 60مليار دينار
، وقد يبدو للبعض أن الفارق مجرد اختلاف في طريقة عرض الأرقام، لكن في ملف يتعلق بمئات المليارات من الدنانير من المال العام، لا ينبغي أن تمر مثل هذه الفروقات من دون تفسير.
ما الرقم الصحيح؟
هل الرقم الذي أعلنته الجمارك يمثل جميع الإيرادات الجمركية؟
وهل الرقم الذي أعلنته المنافذ يمثل الإيرادات الجمركية فقط أم إجمالي إيرادات معينة للمنافذ؟ هل الفترتان الزمنيتان متطابقتان؟
هل طريقة احتساب الإيرادات واحدة؟
وهل تتضمن الأرقام أنواعًا مختلفة من الرسوم أو الإيرادات؟
هذه ليست أسئلة اتهامية، وإنما أسئلة رقابية أساسية؛ لأن أول متطلبات الحوكمة المالية هو أن تكون البيانات الحكومية متطابقة وقابلة للتحقق والمقارنة.
الايرادا الجمركية لشهر تموز من عام 2026 تبلغ 500 مليار دينار... ماذا تعني؟
تزداد أهمية هذه الأسئلة عندما نضع الرقم الحالي في سياقه التاريخي. فبحسب الأرقام المتداولة، بلغت الإيرادات الجمركية:
الايرادات (مليار دينار) السنة
416 2015
647 2016
1236 2017
1692 2018
1056 2019
1017 2020
1001 2021
618 2022
1033 2023
2131 2024
2500 2025
إذا كان تحصيل شهر واحد في 2026 قد بلغ 500 أو 560 مليار دينار، فإننا أمام تحول كبير يستحق أن نعرف أسبابه بدقة ، وهنا لا ينبغي أن يكون السؤال:
لماذا ارتفعت الإيرادات فقط؟
بل:
ما الذي أنتج هذا الارتفاع؟ هل السبب هو الأتمتة؟
من السهل إعلاميًا أن نقول إن ارتفاع الإيرادات جاء نتيجة الأتمتة والربط الإلكتروني وتشديد الرقابة،
وقد تكون هذه العوامل بالفعل جزءًا من أسباب الزيادة ، لكن من الناحية المهنية، لا يمكن إثبات ذلك بمجرد مقارنة رقمين للإيرادات ، فقد رافقت تطبيق الأنظمة الإلكترونية تغييرات جوهرية في السياسة الجمركية، ومن
بينها تغيير أسلوب احتساب الرسوم بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 957لسنة 2025، من الرسم المرتبط
بحجم الحاوية إلى نسب تعرفة تصل إلى %30 لبعض السلع و%15 و%5 لسلع أخرى ، كما صدر قرار
مجلس الوزراء رقم 270لسنة 2025 المتعلق بأسس تقدير قيمة البضائع ، وهذه المتغيرات يمكن أن يكون لها
أثر مباشر وكبير في الإيرادات ، لذلك فإن ارتفاع الإيرادات لا يمكن أن يُنسب تلقائيًا إلى الأتمتة أو مكافحة الفساد أو تحسن الرقابة قبل تفكيك مصادر الزيادة.
والسؤال الاقتصادي والرقابي الصحيح هو:
هل ارتفعت الإيرادات لأن الدولة أصبحت تستحصل الرسوم المستحقة بكفاءة أكبر، أم لأن الرسم المفروض على الوحدة المستوردة أصبح أعلى؟الفرق بين السؤالين كبير جدًا.
ارتفاع الإيرادات... ومن يدفع الثمن؟
هنا ينبغي ألا ننظر إلى الإصلاح الجمركي من زاوية الخزينة العامة وحدها، فالدولة عندما ترفع الإيرادات الجمركية تحقق هدفًا ماليًا مهمًا، لكن عليها في الوقت نفسه أن تنظر إلى الأثر الاقتصادي والاجتماعي لهذه الزيادة ، فالتاجر لا يعمل في فراغ؛ إذ إن الرسوم والضرائب والنقل والتخزين وغيرها من عناصر الكلفة تدخل في النهاية في تكوين سعر السلعة ، وقد أشار عدد من التجار إلى أن كلفة الرسوم على بعض الحاويات، التي كانت في السابق بمستويات محدودة، أصبحت بعد تطبيق النظام الجديد تصل في بعض الحالات إلى عشرات الملايين من الدنانير، بحسب نوع البضاعة وقيمتها ، هذه التقديرات تحتاج بالطبع إلى بيانات رسمية تفصيلية للتحقق من حجم الزيادة، لكن المبدأ الاقتصادي بحد ذاته واضح :عندما ترتفع كلفة الاستيراد، فإن جزءًا منها قد ينتقل إلى سعر السلعة التي يدفعها المستهلك.
وهنا يتحول السؤال من: كم زادت إيرادات الدولة؟
إلى سؤال آخر لا يقل أهمية:
كم ارتفعت كلفة السلعة على المواطن؟ وما أثر ذلك على:
• أسعار السلع الأساسية؟
• القوة الشرائية للمواطن؟
• حجم الطلب في السوق؟
• حركة البيع والشراء؟
• حجم الاستيراد؟
• قدرة القطاع الخاص على الاستمرار؟
• معدلات التضخم؟
• تنافسية المنتج المحلي؟
وهذا البعد مهم بصورة خاصة بالنسبة إلى محدودي الدخل، الذين لا يستطيعون امتصاص الزيادات المتكررة في أسعار السلع بسهولة ، فالمواطن الذي لا يرتفع دخله بنفس نسبة ارتفاع الأسعار لا ينظر إلى زيادة الإيرادات باعتبارها إنجازًا ماليًا مجردًا؛ وإنما يشعر بها من خلال ارتفاع كلفة معيشته.
هل زيادة الإيرادات تعني نجاح السياسة الجمركية؟
ليس بالضرورة ، قد ترتفع الإيرادات لأن الدولة أصبحت أكثر كفاءة في منع التهرب والتلاعب والتحصيل، وهذا أمر إيجابي بلا شك ، وقد ترتفع أيضًا لأن نسب التعرفة أصبحت أعلى، أو لأن أسس تقدير القيمة الكمركية تغيرت، أو لأن قيم البضائع الخاضعة للرسم أصبحت أعلى ، وقد يكون الارتفاع ناتجًا عن مزيج من هذه العوامل جميعًا ، لذلك فإن الحكم على نجاح الإصلاح يتطلب الفصل بين هذه الآثار.
فإذا ارتفعت الإيرادات، مثلًا، بنسبة كبيرة، بينما ارتفع حجم الاستيراد بنسبة محدودة، فعلينا أن نعرف كم من الزيادة جاء من تحسن التحصيل وكم جاء من زيادة العبء الجمركي على الوحدة المستوردة ، وإذا ارتفعت الإيرادات بصورة كبيرة نتيجة ارتفاع التعرفة، فعلينا أن نسأل في المقابل عن أثر ذلك في الأسعار وحجم التجارة.
الإيراد الأعلى ليس بالضرورة كفاءة أعلى.
الكفاءة تعني أن تحصل الدولة على الإيرادات المستحقة قانونًا بأقل قدر ممكن من التسرب، مع الحفاظ في الوقت نفسه على بيئة اقتصادية قادرة على العمل والنمو.
كيف نعرف السبب الحقيقي؟
إذا أردنا تقييم الإصلاح الجمركي بصورة علمية، فعلينا ألا نكتفي بمؤشر الإيرادات. ينبغي أن نتابع مجموعة من المؤشرات، منها:
• عدد الحاويات الداخلة إلى العراق.
• عدد الشاحنات والمركبات المستوردة.
• القيمة الإجمالية للاستيرادات.
• متوسط قيمة الحاوية أو الشحنة.
• متوسط الرسم الجمركي لكل حاوية أو شاحنة.
• نسب التعرفة المطبقة على السلع.
• إجمالي الرسوم المستحصلة لكل وحدة استيراد.
• حجم الاستيراد الفعلي بالطن أو بالقيمة.
• حجم الإعفاءات الجمركية.
• الإيرادات الأخرى التي تدخل ضمن الرقم المعلن.
• أثر تغير أسس التقييم والقيم التقديرية.
• أثر أي تغير في سعر الصرف أو المتغيرات المالية الأخرى.
• أثر الرسوم الجديدة في أسعار السلع وحركة السوق.
فإذا ارتفعت الإيرادات بنسبة كبيرة بينما ارتفع عدد الحاويات بنسبة محدودة فقط، فإن الزيادة لا يمكن تفسيرها بمجرد ارتفاع النشاط التجاري ، وإذا كان عدد الحاويات وحجم الاستيراد قريبين من مستويات العام السابق، بينما ارتفع متوسط الإيراد المتحقق من كل حاوية بصورة كبيرة، فعلينا أن نعرف :هل السبب ارتفاع كفاءة التحصيل، أم ارتفاع التعرفة، أم ارتفاع القيمة الخاضعة للرسم؟وهنا فقط نستطيع أن نفصل بين أثر السياسة الجمركية وأثر الإصلاح الإداري والرقابة والأتمتة.
درس آخر من عام 2020
هناك سبب إضافي يجعل التدقيق في الأرقام أمرًا ضروريًا ، ففي عام 2020 أُعلن عن إيرادات لشهر تموز
تقارب 500مليار دينار في حين ان الايرادات من شهر كانون الثاني وغاية شهر حزيران من العام تفسه بلغت
537 مليار وقد تم تفسير هذه الزيادة الكليرة بفعل الحماية التي وفرها السيد الكاظمي عندما اسند مهمة حماية
المنافذ الى جهاز مكافحة الارهاب ، ثم أظهر التدقيق – بحسب البيانات التي تم الرجوع إليها آنذاك – أن
الإيرادات الفعلية كانت بحدود 90 مليار دينار. ، وان المبالغة كانت لها اهداف اخرى ، وهذا المثال، بصرف النظر عن أسبابه ومسؤولية الجهات المعنية عنه، يؤكد حقيقة مهمة:
الإيرادات الحكومية ليست مجرد أرقام للإعلان، وإنما بيانات مالية يجب أن تكون دقيقة ومدققة وقابلة للمطابقة. ولذلك فإن اختلاف الأرقام بين مؤسسات الدولة نفسها ليس مسألة إعلامية فقط؛ بل هو مسألة تتعلق بجودة النظام المالي والرقابي للدولة.
الدولة مطالبة بتحقيق التوازن
إن حماية المال العام لا تعني تعظيم الإيرادات بأي وسيلة ، فالدولة مطالبة بتحقيق توازن دقيق بين ثلاثة أهداف: أولًا: حماية المال العام ومنع التسرب والتهرب والفساد.
ثانيًا: تحقيق إيرادات عادلة ومستدامة للخزينة العامة.
ثالثًا: حماية السوق والمستهلك وعدم تحميل الاقتصاد أعباء تفوق قدرته على التحمل.
فليس من الحكمة أن نعالج ضعف الإيرادات برفع الرسوم فقط إذا أدى ذلك إلى انكماش حركة التجارة أو ارتفاع الأسعار بصورة تضر بالمستهلك وتضعف النشاط الاقتصادي ، وفي المقابل، ليس من المقبول أن تكون حماية السوق أو المستهلك ذريعة لاستمرار التهرب أو التسرب من الإيرادات المستحقة للدولة ، المطلوب هو سياسة جمركية تحقق الإيراد العادل، وتحمي المنتج المحلي، وتشجع التجارة النظامية، وتمنع التهريب، وفي الوقت نفسه تراعي القدرة الشرائية للمواطن وحركة السوق ، وهنا تحديدًا تظهر أهمية الدراسات الاقتصادية التي ينبغي أن تسبق أي تغيير كبير في التعرفة، وأن تتابع آثاره بعد التطبيق.
المساءلة ليست اتهامًا
قد يعتقد البعض أن طرح هذه الأسئلة يعني التشكيك في أداء المؤسسات أو اتهام المسؤولين ، وهذا غير صحيح. المساءلة لا تعني الاتهام ، المساءلة تعني أن نسأل المسؤول والمؤسسة عن النتائج، وأن نطلب تفسيرًا للارتفاع والانخفاض، وأن نتحقق من الأرقام، وأن نعرف ما الإجراءات التي أنتجت التحسن وما آثارها الاقتصادية والاجتماعية ، بل إن المساءلة تحمي المسؤول النزيه قبل غيره؛ لأن المسؤول الذي يستطيع أن يقدم البيانات ويشرح أسباب النتائج ويثبتها بالأدلة لا يخشى الرقابة، وإنما يستفيد منها في إثبات نجاحه.
ومن هنا فإن مجلس الوزراء ومجلس النواب والجهات الرقابية معنية بأن تطلب من الجهات المختصة بيانًا موحدًا ومدققًا عن الإيرادات الجمركية، وأن توضح أسباب أي فروقات بين الأرقام الصادرة عن المؤسسات الحكومية.
من الرقم الإعلامي إلى مؤشر الأداء
القول إن الإيرادات بلغت أعلى مستوى لها قد يكون عنوانًا جذابًا، لكنه ليس كافيًا لتقييم نجاح الإصلاح. فالنجاح الحقيقي لا يقاس فقط بارتفاع الإيرادات الاسمية، وإنما بارتفاع كفاءة التحصيل بعد عزل أثر:
• زيادة حجم التجارة والاستيراد.
• ارتفاع نسب التعرفة.
• تغير أسس التقييم.
• تغير القيم الكمركية.
• تغير أسعار الصرف.
• تغير أنواع السلع المستوردة.
• وأي عوامل اقتصادية أخرى.
وفي الوقت نفسه ينبغي قياس الكلفة التي تحملها السوق والمستهلك نتيجة السياسة الجديدة.
فإذا أثبتت البيانات أن الإيرادات ارتفعت نتيجة الحد من التسرب والتهرب وتحسين المطابقة والرقابة والأتمتة، من دون آثار اقتصادية غير مبررة، فهنا نستطيع القول إننا أمام إصلاح مؤسسي حقيقي.
أما إذا كانت الزيادة ناتجة أساسًا عن رفع التعرفة والقيم الكمركية، فعلينا أن نكون واضحين في توصيفها: إنها زيادة في الإيرادات نتيجة تغيير السياسة المالية والجمركية، وليست بالضرورة دليلًا على تحسن كفاءة الإدارة والتحصيل.
المطلوب الآن
لا نحتاج إلى التشكيك في الأرقام، وإنما إلى تدقيقها. ولا نحتاج إلى اتهام أحد، وإنما إلى تفسير الفروقات.
ولا نحتاج إلى الاحتفاء بالزيادة فقط، وإنما إلى تحليل أسبابها وقياس آثارها. المطلوب أن تقدم الجهات المعنية بيانات واضحة تجيب عن أربعة أسئلة أساسية:
أولًا :ما الرقم الحقيقي لإيرادات شهر تموز: 500 مليار أم 560 مليار دينار؟ وما سبب الفرق؟
ثانيًا :ما نسبة الزيادة التي تعود إلى تغير التعرفة وأساليب التقييم وحجم الاستيراد، وما النسبة التي تعود إلى تحسن التحصيل والرقابة والأتمتة؟
ثالثًا :ما أثر التعرفة الجديدة في أسعار السلع وحركة التجارة والقطاع الخاص والقوة الشرائية للمواطن، ولا سيما محدودي الدخل؟
رابعًا :إذا كانت إجراءات الرقابة الجديدة قد أدت إلى هذه الزيادة، فما الإجراءات تحديدًا؟ وهل يمكن قياس أثرها واستدامتها وتعميمها على جميع المنافذ؟
هذه هي المساءلة التي نحتاجها.
مساءلة لا تستهدف الأشخاص، وإنما تحمي المؤسسة. ومساءلة لا تبحث عن الاتهام، وإنما تبحث عن الحقيقة.
ومساءلة لا تعرقل الإصلاح، وإنما تساعد على معرفة ما نجح منه وما يحتاج إلى معالجة.
فالمال العام لا تحميه النوايا وحدها، وإنما تحميه منظومة متكاملة من الرقابة والشفافية والمطابقة والمساءلة. وفي الوقت نفسه، فإن حماية المال العام لا ينبغي أن تنفصل عن حماية الاقتصاد الوطني والمواطن.
فالسياسة الجمركية الناجحة ليست التي تحصل أكبر قدر ممكن من الأموال فحسب، وإنما التي تحقق الإيراد المستحق للدولة، وتمنع التهريب والتسرب، وتحمي المنتج الوطني، وتحافظ على حركة السوق، ولا تحول كلفة الإصلاح إلى عبء غير محسوب على المواطن.
وإذا كانت الـ500 أو الـ560 مليار دينار نتيجة إصلاح حقيقي، فعلينا أن نعرف كيف تحقق هذا الإصلاح حتى يصبح سياسة مؤسسية مستدامة ، أما إذا كانت الزيادة ناتجة بصورة رئيسية عن تغيير التعرفة أو أسس التقييم، فعلينا أن نعرف ذلك أيضًا، وأن نعرف من يدفع كلفة هذه الزيادة في النهاية.
فالهدف ليس أن نثبت أن الإيرادات ارتفعت، وإنما أن نعرف لماذا ارتفعت، وما الذي كسبته الدولة، وما الذي تحمله الاقتصاد والمواطن مقابل ذلك.
وهنا تبدأ الحوكمة الحقيقية.

