الاستيفاء المسبق للرسوم والضرائب... حماية للمال العام ام كلفة جديدة على السوق؟

23/08/2026 07:21

( بقلم: د. كاظم العقابي )

لا خلاف على أن حماية المال العام، ومكافحة التهرب الجمركي والضريبي، وتعزيز إيرادات الدولة، تمثل مسؤولية أساسية لا يمكن التفريط بها.

فلا يمكن لأي دولة أن تبني اقتصاداً سليماً ومستداماً فيما يتسرب جزء من حقوقها المالية أو تبقى مواردها العامة عرضة للتهرب والتلاعب.

ومن هذا المنطلق، فإن توجه الحكومة العراقية نحو تعزيز التحصيل والرقابة الإلكترونية على عمليات الاستيراد يمثل هدفاً مشروعاً ومهماً. لكن القرار المتعلق بالاستيفاء المسبق للرسوم الجمركية والأمانات الضريبية عن البضائع المستوردة يستحق نقاشاً أوسع من مجرد النظر إلى حجم الأموال التي ستدخل خزينة الدولة.

فنجاح أي سياسة مالية لا يقاس بحجم الإيرادات المتحققة فقط، وإنما أيضاً بآثارها في التجارة والسيولة ورأس المال العامل للمستوردين وسوق الصرف والأسعار، فالمسألة لا تتعلق بحق الدولة في استيفاء حقوقها المالية، فهذا حق لا خلاف عليه، وإنما تتعلق بالوسيلة الأنسب لتحقيق ذلك: هل يشكل الاستيفاء المسبق الخيار الأكثر كفاءة لضمان هذه الحقوق، أم أنه قد يحقق زيادة في ضمان التحصيل مقابل كلفة اقتصادية ومؤسسية ينبغي أخذها في الحسبان؟ فالاستيفاء المسبق قد يحقق ضمانة أكبر لأموال الدولة، لكنه في المقابل قد يؤدي إلى تجميد جزء من رأس المال العامل للمستورد، ويرفع كلفة التمويل والاستيراد، وهي كلفة قد تنتقل في النهاية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى المستهلك.

كيف وصلنا إلى الاستيفاء المسبق؟

من المهم، أولًا، وضع الأحداث في سياقها الصحيح. ففي السادس من آب 2026 صدر توجيه بهذا الاتجاه، ثم صدر كتاب الأمانة العامة لمجلس الوزراء بتاريخ 2026/8/11 إلى الجهات المعنية بشأن استقطاع مبالغ الضرائب والرسوم الجمركية مسبقاً عن التحويلات المالية الخارجية وتقييدها أمانات، قبل أن يأتي قرار مجلس الوزراء في 2026/8/18 ليعتمد مبدأ الاستيفاء المسبق، مع تحديد آليات تتعلق بالتحويلات الخارجية، ونظام الأسيكودا، والبيانات الأولية، والفاتورة التجارية، ووثائق الشحن، والتصنيف، والمنشأ، والقيمة.

وهذا التسلسل مهم؛ لأنه يوضح أن القرار جاء في إطار توجه حكومي لمعالجة مشكلة تتعلق بضمان استيفاء حقوق الدولة وتعزيز التحصيل والرقابة على عمليات الاستيراد. لكن هذا التوجه يقودنا إلى سؤال أوسع: إذا أصبحت الدولة بحاجة إلى استيفاء الرسوم الجمركية والضرائب قبل وصول البضاعة لضمان حقوقها المالية، فهل ينبغي أن يقتصر الحل على تقديم موعد التحصيل، أم أن ذلك يستدعي، بالتوازي، مراجعة منظومة التحصيل والرقابة للوقوف على أسباب فقدان جزء من الإيرادات أو صعوبة ضمان استيفائها بالكامل؟ فالمشكلة لا ينبغي أن تُختزل في توقيت دفع الرسوم والضرائب، بنقل الاستيفاء من مرحلة ما بعد وصول البضاعة إلى مرحلة ما قبل وصولها، وإنما ينبغي أن يترافق ذلك مع البحث في مكامن الخلل المحتملة داخل منظومة العمل.

هل تكمن المشكلة في إجراءات التقييم والتصنيف؟ أم في التحقق من القيمة والمنشأ؟

أم في ضعف الرقابة وتبادل المعلومات؟ أم في تعدد الجهات العاملة داخل المنافذ الحدودية وتداخل مسؤولياتها؟

ولا يعني طرح هذه التساؤلات، بطبيعة الحال، اتهام العاملين في الجمارك والمنافذ بالفساد، كما لا يعني أن الاستيفاء المسبق دليل بحد ذاته على وجود خلل أو فساد في المؤسسات المعنية. وإنما يعني أن أي فجوة في تحصيل الإيرادات تستحق التشخيص والمعالجة، وأن ضمان حقوق الدولة على المدى الطويل لا ينبغي أن يعتمد على تقديم موعد التحصيل وحده، بل على تطوير منظومة متكاملة للتحصيل والرقابة وإدارة المخاطر والمساءلة، بما يضمن استيفاء حقوق الدولة كاملة ضمن إجراءات كفوءة وشفافة، وبأقل كلفة ممكنة على النشاط الاقتصادي.

هل القرار يعالج المشكلة أم يكشفها؟

لا شك أن التهرب من دفع الرسوم والضرائب يمثل هدراً للمال العام، وأن ضبطه مسؤولية أساسية على عاتق المؤسسات المعنية ، لكن اللجوء إلى الاستيفاء المسبق يمكن أن يُقرأ أيضاً باعتباره مؤشراً على وجود قصور في منظومة التحصيل والرقابة الحالية ، فإذا كانت الدولة لا تستطيع أن تضمن استيفاء حقوقها عند دخول البضاعة عبر المنافذ، فإن الحل الطبيعي ليس فقط أن تحصل المال قبل وصول البضاعة، وإنما أن تسأل: أين تكمن المشكلة في المنظومة؟

هل المشكلة في إجراءات التقييم والتصنيف؟ هل المشكلة في ضعف الرقابة؟

هل المشكلة في تعدد الجهات داخل المنافذ؟ هل المشكلة في التلاعب بالفواتير والقيم؟ هل المشكلة في ضعف تبادل المعلومات؟ هل المشكلة في الموارد البشرية؟

أم أن هناك منافذ للفساد والتواطؤ داخل بعض حلقات العمل؟

وهنا يجب أن نكون واضحين: القرار وحده لا يثبت وجود فساد في الجمارك أو المنافذ، لكنه يشير، على الأقل، إلى أن الحكومة رأت أن أدوات التحصيل والرقابة القائمة لا توفر، بصيغتها الحالية، ضمانات كافية لاستيفاء المستحقات كاملة في الوقت والمكان الطبيعيين

وهنا يجب أن نكون واضحين: فالقرار وحده لا يثبت وجود فساد في الجمارك أو المنافذ، كما لا يعني بالضرورة أن المنظومة الحالية عاجزة عن أداء وظائفها، وإنما يعكس توجهاً حكومياً نحو تعزيز ضمانات التحصيل وتقليل مخاطر فقدان الإيرادات. وهذا بحد ذاته يفتح الباب أمام مراجعة أوسع لكفاءة منظومة التحصيل والرقابة، ومدى قدرتها على ضمان استيفاء حقوق الدولة كاملة عند دخول البضاع
الأسيكودا ليست المشكلة

العراق قطع شوطاً مهماً في استخدام الأنظمة الإلكترونية، ومن بينها نظام الأسيكودا، الذي يوفر إمكانية متابعة المعاملة وتحليل البيانات وإدارة المخاطر والحد من التدخل البشري المباشر ، لكن الرقمنة وحدها لا تكفي ، فإذا كانت الدولة تمتلك نظاماً إلكترونياً متقدماً، ومع ذلك تحتاج إلى تحصيل الرسوم والضرائب قبل وصول البضاعة لضمان عدم ضياعها، فإن السؤال يصبح :هل المشكلة في النظام، أم في البيئة المؤسسية التي يعمل فيها النظام؟

وهذه نقطة جوهرية؛ فالفساد أو التهرب الجمركي لا يُعالج دائماً بإضافة إجراء مالي جديد، وإنما بمعالجة أسبابه وإغلاق منافذه. وإذا كانت الدولة تستطيع، من خلال البيان المسبق والأنظمة الإلكترونية، أن تبدأ مبكراً بتحليل بيانات الشحنة وتقييم مخاطرها وتقدير مستحقاتها الأولية، فمن الأجدى أن تُستثمر هذه الأدوات في بناء منظومة

تحقق وتحصيل أكثر كفاءة عند وصول البضاعة، بدلًا من أن يكون الحل الأساسي هو تقديم موعد استيفاء الأموال؟

الفرق بين البيان المسبق والدفع المسبق

ينبغي ألا نخلط بين أمرين مختلفين ، البيان المسبق إجراء رقابي مهم؛ فهو يعطي الدولة المعلومات قبل وصول البضاعة، ويسمح بالتدقيق وتحليل المخاطر وإجراء التقييم الأولي ، أما الدفع المسبق فهو انتقال فعلي للأموال قبل اكتمال التحقق النهائي من البضاعة ، وهذا الفرق ليس شكلياً ، فالتقدير المسبق يعتمد على بيانات أولية قد تختلف عن الواقع عند وصول البضاعة ، قد تختلف الكمية، أو القيمة، أو التصنيف، أو المنشأ، أو طبيعة البضاعة ، وقد لا تصل البضاعة أصلًا ، فإذا دفع المستورد مبلغاً مقدماً ثم تبين أن المستحق النهائي أقل، فمتى تعاد له أمواله؟ ومن يعيدها؟ وهل تتم الإعادة آلياً؟ وكم تستغرق؟

ان نجاح النظام يتطلب تسوية نهائية الكترونية وسريعة وملزمة وليس مجرد تحصيل الاموال مقدما .

- الخطر الذي قد يمتد الى سوق الصرف

هناك جانب آخر ينبغي ألا يغيب عن متخذ القرار ، إن ربط التحويل الخارجي بتسديد الرسوم والأمانات المقدرة مسبقاً قد يجعل بعض المستوردين يعيدون حساباتهم بشأن استخدام القنوات الرسمية للتحويل ، لا نقول إن جميع التجار سيلجؤون إلى السوق الموازي، فهذا يحتاج إلى دراسة وبيانات، ولكن من المحتمل أن يبحث جزء من المستوردين عن بدائل إذا ارتفعت كلفة أو صعوبة التمويل عبر المسار الرسمي ، وهنا قد تنتقل بعض الطلبات على الدولار إلى السوق الموازي ، وزيادة الطلب على الدولار في السوق الموازي قد تولد ضغطاً على سعر الصرف، وإذا اتسعت الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، فإن كلفة الاستيراد سترتفع بالنسبة لمن يعتمد على

الدولار الموازي،  ولا يعني ذلك أن هذه النتيجة حتمية أو أنها ستقع بالضرورة، إذ يتوقف الأمر على كيفية تصميم الآلية الجديدة وكلفة التمويل وسهولة الامتثال لها، لكنها مخاطرة محتملة تستحق الدراسة والمراقبة، لأن أي سياسة تزيد كلفة أو صعوبة التمويل عبر القنوات الرسمية قد تدفع بعض المتعاملين إلى البحث عن بدائل، وهكذا قد تتكون سلسلة من الآثار الاقتصادية المتتابعة:

ارتفاع كلفة أو صعوبة التمويل الرسمي

احتمال انتقال جزء من الطلب إلى قنوات بديلة

زيادة الضغط على سوق الصرف الموازي

ارتفاع كلفة الاستيراد

ارتفاع أسعار بعض السلع

انتقال جزء من الكلفة إلى المستهلك النهائي

وعندها قد تحقق الخزينة زيادة في التحصيل، لكن السوق والمستهلك يتحملان كلفة أخرى غير ظاهرة في جدول الإيرادات.

لا ينبغي أن نقيس نجاح القرار بالإيراد فقط

من الخطأ تقييم أي سياسة مالية من خلال مقدار الأموال التي دخلت الخزينة فقط. ينبغي أن نسأل أيضاً:

ماذا حدث للأسعار؟

ماذا حدث لسعر الصرف؟ ماذا حدث لحجم الاستيراد؟ ماذا حدث لرأس المال العامل؟

هل زادت التحويلات الرسمية أم تراجعت؟ هل اتسع السوق الموازي أم انكمش؟

هل انخفض التهرب فعلًا أم انتقل إلى قنوات أخرى؟ هذه هي المؤشرات التي تحدد نجاح القرار من عدمه.

وماذا عن الضمان المصرفي؟

قد يقال إن الحل هو استبدال الدفع المسبق بضمان مصرفي ، لكن الضمان المصرفي لا يكون حلًا حقيقياً إذا

كان يتطلب من المستورد إيداع كامل قيمة الرسوم والأمانات وتجميدها لدى المصرف ، ففي هذه الحالة لا يتغير جوهر المشكلة، وإنما تتغير الجهة التي تحتجز السيولة ، اذن المطلوب ليس مجرد استبدال الدفع المسبق بضمان مصرفي، وإنما تصميم أداة ائتمانية حقيقية تضمن حق الدولة دون تجميد كامل رأس المال العامل للمستورد، وبكلفة معقولة لا تتحول هي الأخرى إلى عبء إضافي على التجارة والأسعار.
ما الحل؟

لا أعتقد أن المطلوب هو إلغاء توجه الحكومة نحو تعزيز التحصيل، بل تطوير الآلية بما يحقق التوازن بين حماية حق الدولة وعدم تحميل التجارة كلفة غير ضرورية. ويمكن، على سبيل المثال، اعتماد منظومة تقوم على: بيان مسبق، وتدقيق إلكتروني عبر الأسيكودا، وتقدير أولي للمستحقات، وآلية ضمان مناسبة لا تجمد السيولة بالكامل، وتحويل عبر القنوات الرسمية، ثم تحقق نهائي عند وصول البضاعة، وتسوية إلكترونية سريعة للفروقات

الإصلاح الحقيقي يبدأ من السؤال الأصعب

إذا كان التهرب الجمركي والضريبي هو المشكلة، فعلينا ألا نكتفي بسؤال: كيف نحصل على المال قبل وصول البضاعة؟

- بل يجب أن نسأل السؤال الأهم:

لماذا لم نتمكن من ضمان تحصيل كامل حق الدولة عند نقطة دخوله الطبيعية إلى الدولة؟ إذا كان هناك تلاعب في القيمة، فعلينا تطوير منظومة التقييم والتثمين.

وإذا كان هناك تلاعب في التصنيف، فعلينا تعزيز دقة التصنيف والمراجعة. 

وإذا كان هناك تلاعب في المنشأ، فعلينا تطوير أدوات التحقق من المنشأ.

وإذا كانت هناك فجوات في تبادل المعلومات، فعلينا ربط قواعد البيانات والجهات المعنية.

وإذا كان هناك فساد أو تواطؤ في أي حلقة من حلقات العمل، فعلينا إغلاق منافذه ومحاسبة المتسببين. وإذا كان هناك ضعف في الرقابة، فعلينا إعادة بناء الرقابة على أسس واضحة للمسؤولية والمساءلة. وإذا كانت الإجراءات طويلة ومعقدة، فعلينا تبسيطها ورقمنتها.

أما الانتقال مباشرة إلى تحصيل الأموال قبل وصول البضاعة، فقد يكون وسيلة فعالة لضمان جزء من التحصيل، لكنه لا يعالج بالضرورة جذور المشكلة المؤسسية التي أدت إلى الحاجة إلى هذا الإجراء.

- كلمة أخيرة

إن حماية المال العام لا تعني فقط تحصيل الأموال في وقت مبكر، وإنما تعني أيضاً إصلاح المؤسسات التي يفترض أن تمنع الهدر والتهرب من الأساس ، فإذا كان هناك عجز في تحصيل حق الدولة، فلا ينبغي أن تكون المعالجة بنقل كلفة هذا العجز إلى التاجر، ثم إلى المستهلك ، فالدولة القوية هي التي تحمي إيراداتها، وتغلق منافذ التهرب والفساد، وتحافظ في الوقت نفسه على استقرار السوق وسعر الصرف والقوة الشرائية للمواطن.

  وهنا ربما تكون الفرصة أمام الحكومة ليست فقط لزيادة الإيرادات، وإنما لإجراء مراجعة مؤسسية شاملة لمنظومة الجمارك والمنافذ والتحصيل؛ لأن معالجة أسباب الهدر أكثر استدامة من معالجة نتائجه، ولأن السياسة الناجحة ليست هي التي تحصل المال في وقت أبكر فحسب، بل التي تضمن حق الدولة بأعلى كفاءة وأقل كلفة ممكنة على التجارة والاقتصاد والمواطن.
 

Follow Us:
All Right Reserved © 2026