منفذ فيشخابور/أوفاكوي بين الاتفاق المعلن والواقع الدستوري والإداي

07/09/2026 12:49

بقلم .. د . كاظم العقابي رئيس هيأة المنافذ الحدودية السابق 

بناءً على ما ورد من أخبار عن قرب افتتاح منفذ فيشخابور/أوفاكوي الحدودي بين العراق وتركيا، وما أُعلن أخيراً عن التوصل إلى تفاهم مع الجانب التركي بشأن فتح المنفذ، تبدو الحاجة قائمة إلى التوقف عند الموضوع من زاوية أوسع من مجرد الإعلان عن افتتاح منفذ حدودي جديد، والبحث في الشروط القانونية والإدارية والسيادية التي تجعل هذا الإعلان قابلاً للتحول إلى واقع عملي ومستدام.

ففكرة افتتاح منفذ فيشخابور/أوفاكوي ليست جديدة. ففي عام 2018 شُكلت لجنة حكومية لإعداد دراسة جدوى اقتصادية وفنية للمشروع، بعد مباحثات مع الجانب التركي، وخلصت الدراسة إلى وجود جدوى اقتصادية وفنية لافتتاح المنفذ، لما يمكن أن يحققه من زيادة حركة التجارة والنقل وتعزيز العلاقات الاقتصادية بين البلدين.

ولم تتعامل الدراسة مع المنفذ باعتباره مجرد نقطة جمركية جديدة، بل نظرت إليه ضمن رؤية أوسع لدور العراق في حركة التجارة الإقليمية والدولية، من خلال إمكانية استخدام الأراضي العراقية ممراً للترانزيت بين تركيا والخليج، وربط ذلك بشبكة الطرق والنقل والموانئ العراقية، فضلاً عن القناة الجافة وميناء الفاو الكبير.

ومن هنا يمكن القول إن الجذور الاستراتيجية لفكرة طريق التنمية ليست وليدة السنوات الأخيرة؛ فالفكرة الأساسية المتمثلة في تحويل الموقع الجغرافي للعراق إلى ممر تجاري يربط تركيا والخليج، والاستفادة من شبكة الطرق والسكك والموانئ العراقية، كانت حاضرة في دراسات ومقترحات رسمية سابقة. أما مشروع طريق التنمية بصيغته الحالية ومكوناته المتكاملة، فهو تطوير وتوسيع لهذه الرؤية ضمن مشروع استراتيجي أوسع.

لكن المشكلة التي واجهت مشروع فيشخابور في حينه لم تكن فنية أو اقتصادية بالدرجة الأولى، وإنما كانت مرتبطة بالجانب الإداري والسيادي: من يتولى إدارة المنفذ؟ وتحت أي سلطة يعمل؟ وكيف تنظم العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان؟

وهنا لا بد من العودة إلى الدستور، لأن إدارة منفذ حدودي بهذا الحجم لا يمكن أن تُحسم بالتفاهمات السياسية أو الإدارية وحدها، بل ينبغي أن تكون منسجمة مع الاختصاصات الدستورية.

فالمادة 110 من الدستور حددت الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية، ومن بينها رسم السياسة الخارجية والتفاوض بشأن المعاهدات والاتفاقيات الدولية، ووضع سياسة الأمن الوطني بما في ذلك تأمين حدود العراق، فضلاً عن رسم السياسة المالية والكمركية وتنظيم السياسة التجارية عبر حدود الأقاليم والمحافظات في العراق.

وهذه النصوص تضع الإطار العام للتعامل مع منفذ حدودي دولي يقع على الحدود العراقية التركية، خصوصاً أن الموضوع لا يتعلق فقط بحركة أشخاص وبضائع داخلية، وإنما يرتبط بعلاقة العراق بدولة أخرى، وبأمن حدوده، وسياسته التجارية والكمركية الخارجية.

لكن في المقابل، لا ينبغي أن تُقرأ المادة 110 بمعزل عن المادة 114 من الدستور، التي نصت صراحة في فقرتها الأولى على أن إدارة الكمارك من الاختصاصات المشتركة بين السلطات الاتحادية وسلطات الأقاليم، بالتنسيق مع حكومات الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم، وينظم ذلك بقانون.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين أمرين:

الأول: إدارة المنفذ الحدودي بوصفه نقطة عبور دولية وما يرتبط بالسيادة والأمن والسياسة التجارية والعلاقات مع الدولة المقابلة.

والثاني: إدارة المركز الجمركي والإجراءات الكمركية، التي جعل الدستور إدارتها اختصاصاً مشتركاً بالتنسيق مع حكومة الإقليم.

وهذا التمييز مهم جداً في حالة فيشخابور/أوفاكوي، لأن الحديث عن افتتاح المنفذ لا ينبغي أن يترك هذه المسائل الجوهرية غامضة أو قابلة لتفسيرات متعددة بعد الافتتاح.

كما أن قانون هيئة المنافذ الحدودية رقم 30 لسنة 2016 أنشأ هيئة ترتبط بمجلس الوزراء، ومنحها صلاحية فتح فروع في المنافذ الحدودية في الإقليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم، مع التأكيد على التنسيق مع الوزارات والجهات ذات العلاقة العاملة في المنافذ.

وبالتالي، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه اليوم ليس: هل اتفقت بغداد مع أنقرة على فتح المنفذ؟ فقط، وإنما: ما هو الترتيب العراقي الداخلي الذي سيجعل هذا الاتفاق قابلاً للتنفيذ؟

هل تم الاتفاق على الجهة التي تتولى إدارة المنفذ ميدانياً؟

وما هو دور هيئة المنافذ الحدودية؟

وما هو دور الجمارك الاتحادية؟

وما هو دور حكومة إقليم كردستان في ضوء المادة 114 من الدستور؟

وكيف ستُدار الإجراءات الأمنية والكمركية والإدارية؟

وهل ستكون هناك منظومة عمل واحدة ومتكاملة، أم ستتعدد الجهات والإجراءات عند نقطة يفترض أن تكون إحدى أهم حلقات طريق التنمية؟

هذه الأسئلة ليست تفصيلاً إدارياً، بل هي جزء من نجاح المشروع نفسه.

فإذا كان طريق التنمية يستهدف نقل العراق من موقع البلد الذي تمر من خلاله التجارة إلى بلد يمثل مركزاً إقليمياً للنقل والترانزيت، فإن المنافذ الحدودية ستكون جزءاً أساسياً من هذه المنظومة. ولا يمكن أن تكون هناك بنية تحتية حديثة من ميناء الفاو الكبير إلى الحدود التركية، ثم تتوقف كفاءة المشروع عند منفذ حدودي بسبب غموض في الصلاحيات أو تعدد في مراكز القرار أو اختلاف في الإجراءات.

ومن هنا، فإن الاتفاق مع تركيا، مهما بلغت أهميته، لا يمكن أن يكون بديلاً عن الاتفاق العراقي الداخلي الواضح على آلية إدارة المنفذ.

والأهم من ذلك كله هو مسألة الشفافية.

فعندما يعلن مسؤول حكومي التوصل إلى اتفاق مع دولة أخرى بشأن مشروع بهذا الحجم والأهمية، فإن من حق الرأي العام أن يعرف، بالحدود التي لا تتعارض مع مقتضيات الأمن والمفاوضات، ما الذي تم الاتفاق عليه فعلاً؟

ليس المطلوب نشر معلومات سرية أو تفاصيل أمنية، وإنما توضيح الحقائق الأساسية التي تهم الدولة والمواطن والقطاع الخاص: ما طبيعة الاتفاق؟ ما الالتزامات التي ترتبت على العراق؟ ما الجدول الزمني للتنفيذ؟ من سيتولى الإدارة؟ كيف ستنظم الإجراءات الكمركية؟ ما علاقة الاتفاق بمشروع طريق التنمية؟ وما الذي تغير عن التفاهمات السابقة التي كانت قائمة منذ سنوات؟

فالشفافية هنا ليست ترفاً إعلامياً، وإنما جزء من الإدارة الرشيدة للمشاريع الاستراتيجية.

خصوصاً أن موضوع فيشخابور ليس مشروعاً محلياً محدوداً، وإنما يرتبط بعلاقة العراق التجارية مع تركيا، وبطريق التنمية، وبحركة الترانزيت، وبإيرادات الدولة، وبمستقبل التجارة والنقل في العراق.

ولذلك، فإن التصريحات الحكومية ينبغي أن تكون دقيقة ومحددة. فالإعلان عن «التوصل إلى اتفاق» يختلف قانونياً وإدارياً عن الإعلان عن «التوصل إلى تفاهم»، ويختلف الاثنان عن وجود اتفاق نافذ ومحدد الالتزامات والآليات والجدول الزمني.

والرأي العام من حقه أن يعرف أين نحن بالضبط: هل أمام تفاهم سياسي؟ أم اتفاق رسمي؟ أم اتفاق دخل فعلاً مرحلة التنفيذ؟

هذه المسألة تكتسب أهمية أكبر إذا علمنا أن فكرة المنفذ نفسها ليست جديدة، وأن دراسات الجدوى والبنية التحتية المرتبطة بها كانت مطروحة منذ سنوات. وبالتالي فإن ما ينتظره العراقيون ليس إعادة الإعلان عن الفكرة، وإنما معرفة ما الذي تغير هذه المرة وجعل تنفيذها ممكناً بعد كل هذه السنوات.

إن قيمة أي اتفاق لا تقاس بتاريخ الإعلان عنه، وإنما بقدرته على الانتقال من الورق إلى الأرض.

ولهذا فإن المطلوب من الحكومة، إذا كانت قد توصلت فعلاً إلى تفاهمات جديدة مع الجانب التركي، أن تقدم للرأي العام صورة واضحة عن هذه التفاهمات، وأن توضح في الوقت نفسه كيف تم حسم الجانب العراقي الداخلي، وبالأخص مسألة الإدارة والصلاحيات والتنسيق بين الجهات الاتحادية وحكومة الإقليم.

فالمنفذ يقع في منطقة حساسة، ويرتبط بحدود دولية وبحركة تجارية كبيرة، ومن غير المقبول أن يبدأ تشغيله ثم نكتشف لاحقاً أن مسائل أساسية في إدارته لم تكن محسومة.

لقد أثبتت التجارب السابقة أن الإعلان عن المشاريع لا يكفي. فالإنجاز الحقيقي يبدأ عندما تتحول التفاهمات إلى اتفاقات واضحة، والاتفاقات إلى قرارات ملزمة، والقرارات إلى إجراءات، والإجراءات إلى مشروع يعمل فعلياً على الأرض.

وفي حالة فيشخابور/أوفاكوي، فإن النجاح يتطلب منظومة متكاملة تقوم على وضوح الاختصاصات، واحترام الدستور، وتحديد المسؤوليات، وتوحيد الإجراءات، والتنسيق بين الجهات المعنية، والشفافية في الإعلان عن الاتفاقات والالتزامات.

ومن هنا فإن الأسئلة التي ينبغي أن تكون مطروحة اليوم ليست فقط: متى سيفتتح المنفذ؟

بل قبل ذلك:

من يدير المنفذ؟

ومن يدير المركز الجمركي، وكيف ستطبق المادة 114/أولاً من الدستور؟

ما هو الإطار القانوني والإداري الذي سيحكم عمله؟

ما طبيعة الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع تركيا؟

وهل كانت حكومة الإقليم جزءاً من الترتيبات الداخلية المتعلقة بالمنفذ، وبأي صورة؟

وما هو الجدول الزمني للتنفيذ؟

وما الذي يربط هذا المنفذ عملياً بمشروع طريق التنمية؟

هذه ليست أسئلة تشكيك، ولا ينبغي أن تُفهم على أنها اعتراض على فتح المنفذ. بل هي أسئلة مشروعة تفرضها أهمية المشروع وحجمه، وحق الرأي العام في معرفة تفاصيل المشاريع والاتفاقات التي تمس مستقبل الاقتصاد العراقي وحركة التجارة والسيادة والإيرادات العامة.

فإذا كانت هذه الملفات قد حُسمت، فمن الأفضل أن تُعلن بوضوح، لأن ذلك سيعزز الثقة بالمشروع ويضع حداً للتفسيرات والاجتهادات.

أما إذا كانت بعض القضايا لا تزال قيد التفاوض، فمن الأفضل أيضاً أن يُقال ذلك بصراحة، بدلاً من تقديم تفاهم أولي على أنه اتفاق نهائي قابل للتنفيذ.

وفي النهاية، فإن فيشخابور/أوفاكوي يمكن أن يكون أكثر من مجرد منفذ حدودي جديد؛ يمكن أن يكون حلقة أساسية في إعادة تعريف موقع العراق على خريطة التجارة الإقليمية، وجزءاً مهماً من طريق التنمية.

لكن ذلك لن يتحقق بالإعلانات وحدها.

فالنجاح لا يُقاس بما يُعلن أمام وسائل الإعلام، وإنما بما يتحول إلى واقع مستقر على الأرض، وبما يستند إلى إطار دستوري وقانوني واضح، وإدارة مؤسسية كفوءة، واتفاقات معلنة بشفافية، ومسؤوليات محددة لا تترك مجالاً لتكرار الخلافات التي عطلت المشروع في السابق.

Follow Us:
All Right Reserved © 2026