الديمقراطية والمنهج الفكري للفلسفة العلمانية
08/09/2026 04:49
مقاربات واختلافات في الأطر الفكرية بين الديمقراطية وفلسفات معاصرة
الحلقة الخامسة: الديمقراطية والمنهج الفكري للفلسفة العلمانية .
د. عامر الدليمي
يحتاج موضوع الديمقراطية والمنهج الفكري للفلسفة العلمانية إلى دراسة فكرية ومناقشة علمية معمقة؛ لوجود اختلاف في تقدير فهم العلمانية، فمن يرى أن العلمانية فلسفة ضد الأديان ومعتقداتها، وعلى الانسان النظر الى الحياة نظرة واقعية علمية ، وتستند إلى أساسيات حياتية، ومن يرى أن العلمانية تحترم الأديان وعقائدها، دون التدخل في مبادئها وتعليماتها، وتتجنب الخوض فيها، وتحترم الإنسان وحقوقه ومعتقده .
ولحساسية الموضوع، فمن الأهمية التطرق إلى الديمقراطية والمنهج الفكري للعلمانية، وأوجه الاتفاق والاختلاف بينهما، كمقارنة للوصول إلى نتائج مفيدة توضح هذه الحالة بينهما.
فالعلمانية تعني، بشكل عام، أن الأنشطة البشرية والقرارات التي تُتخذ في شؤون الحياة، والسياسية خاصة، لا تكون خاضعة لتأثير المؤسسات الدينية. وهي أيضًا حركة اجتماعية تتجه نحو الاهتمام بالشؤون الدنيوية، وشؤون الحياة العامة، وانصراف الناس إلى اهتماماتهم واحترام الحياة، والحكم بالعدل والمساواة بين الناس دون تمييز، كقاعدة إنسانية تسعى للتطور والرفاه في الحياة.
ولا تقوم العلمانية بفرض مبادئها وفكرها على من لا يرغب في الالتزام بها، وهي نظام اجتماعي، وليست ضد الأديان السماوية وما جاءت به من معتقدات دينية، وإنما تؤكد الاهتمام بالحياة وشؤونها وإنجازاتها الثقافية.
والديمقراطية، كما يُفهم منها، هي أيضًا أنشطة اجتماعية وسياسية تهتم بحاضر المجتمع ومستقبله، والاهتمام بالمشاركة الشعبية فيها لإبداء آرائهم ومواقفهم، وتدعو أيضًا إلى العدل والمساواة والتطور ورفاه المجتمع، في ظل سلطة ديمقراطية سليمة تتعامل مع جميع مكونات الشعب باحترام، وتهتم بحقوقها المدنية ومعتقداتها وثقافتها دون تمييز.
لذلك نرى هناك انسجامًا وتوافقًا بين مفهوم الديمقراطية والفكر العلماني في هذه الناحية، وأن الديمقراطية والسلطة الديمقراطية تقومان على أساس المشاركة السياسية للقوى والأحزاب، وبإشراف السلطة. وهناك أحزاب دينية بإمكانها المشاركة فيها، خاصة الانتخابات البرلمانية، وكل من يؤمن بأن المعتقدات الدينية جزء مهم في حياته، ويتعامل معها وفق قناعته.
إلا أن ذلك يختلف من نظام سياسي ديمقراطي عن آخر في دول أخرى، في حين أن العلمانية تُبعد الدين والمؤسسات الدينية والأحزاب الدينية عن السلطة. وفي هذه الناحية هناك تباين واضح بين أفكار المنهجين، الفلسفة الديمقراطية والفلسفة العلمانية، في هذا الجانب؛ أي إنهما على غير توافق.
وفلاسفة العلمانية، كل واحد منهم ينظر إليها من جانب، فمنهم من يرى ضرورة فصل المعتقدات الدينية عن الشؤون السياسية والاجتماعية للسلطة، ولعوامل مختلفة دعت الضرورة لذلك، ولكن مع احترام العقائد الدينية؛ لأنها علاقة بين الإنسان وربه، وحسب قناعته الشخصية وعقيدته الدينية، مع حق التعبير عنها وحرية الرأي.
إذًا، العلمانية هي مبدأ قائم على فصل الحكومة ومؤسساتها السياسية عن السلطة الدينية والشخصيات الدينية (1).
إلا أن الديمقراطية والعلمانية تدعوان إلى حماية حقوق الإنسان، خاصة الأقليات الدينية أمام أكثرية دينية لدين آخر، مع عدم إجبار أي أحد على اعتناق وتبني معتقد أو دين أو تقليد معين.
فالعلمانية تكون محايدة بشكل متساوٍ إزاء انتماءات مواطنيها وأفكارهم المتصلة بالدين، كما أن المفهوم الديمقراطي ومبادئ الديمقراطية لا تفرض شروطًا قسرية تعسفية عند المشاركة فيها في الحياة العامة، لأسباب أو دواعي دينية.
وتنحصر وظيفتهما بتطبيق القانون الوضعي الذي يكون أساسًا لهما، وحماية الحقوق والأقليات الدينية.
والعلمانية كلمة مشتقة من مفردة «علم»، التي تشير إلى الاهتمام بالحياة والقضايا الأرضية التي لها علاقة بالبشر، كونها فلسفة تدعو إلى ألا يشترك الدين مع سياسة السلطة في الحكم، كمعتقد؛ لأن الاهتمام بالعقائد الدينية قد يصرف الناس عن اهتمامهم بالحياة ومتطلباتها الدنيوية.
إذًا، من الضروري ألا يُفهم أن العلمانية ضد المعتقدات الدينية، وإنما ترى ضرورة ألا تشارك في الجوانب السياسية للدولة؛ لأن نظام الدولة سياسي واجتماعي منفصل عن الدين.
والعلمانية تعنى بالأفكار والعلاقة المرتبطة بعقل الإنسان التنويري، الذي يدرس ويتعمق في الفكر الإنساني المتطور وعصرنة الحياة ومتطلباتها، وتنطلق من مفهوم أن الدولة معنية بحرية الضمير، وتكفل حرية التعبير، بحيث لا تضع فوارق أو حواجز أو تغادر عامل المساواة بين أبناء المجتمع الواحد، كعامل محايد إيجابي إزاء الأديان.
وهي انفتاح ثقافي فكري لعقل الإنسان، محفز للإبداع والابتكار، وتجاوز للفكر التقليدي لإغناء العصر بأفكار أكثر تقدمًا وثقافة وعلمية.
فالديمقراطية والعلمانية، كمنهجين معاصرين، ترتبطان بتنظيم سياسي حديث، مع أحزاب وأفكار وأيديولوجيات حديثة، من خلال مبادئ أساسية تشمل سيادة الشعب في قراراته الداخلية والخارجية، واستقراره وحقوقه الأساسية، وتأمين الحريات الفردية والعامة وفقًا لسيادة الدستور والقانون، اللذين يختصان بعمل وتنظيم الدولة ومؤسساتها، ومساواة جميع المواطنين أمامهما، بغض النظر عن الانتماء الديني أو القومي، في إطارهما المبدئي الديمقراطي والمنهج الفكري للعلمانية.
ووفق منهجية وآليات كل منهما، إذ يشكلان من الوسائل التي تنظم علاقتهما في العمل السياسي والاجتماعي، بين القوى السياسية والحياة والأخلاق والقيم، من أجل الوصول إلى أفضل تمثيل حقيقي لأوسع الفئات الشعبية، من خلال صناديق الاقتراع وسباق انتخابي بمبدأ المنافسة الداخلية.
والعمل من أجل التغيير وتحسين الأوضاع الاجتماعية، من الناحية السياسية والاقتصادية، وإدارة المنشآت والمؤسسات الحكومية، بما يفيد مصلحة البلد بصورة عامة، والشعب بكل أطيافه وقومياته، من أجل التقدم الحضاري ومواكبة العصر، ضمن منهج فكري متقدم ثقافيًا وأخلاقيًا وعلميًا، وتشجيع الإبداع والأفكار التي تخدم المجتمع.

