من 800 مليار إلى 4 تريليونات... ماذا تقول الأرقام؟
10/09/2026 11:40
بقلم .. د . كاظم العقابي رئيس هيأة المنافذ الحدودية السابق
يستحق تصريح السيد حسن العكيلي، مستشار رئيس الوزراء لشؤون الجمارك والمنافذ، بشأن ارتفاع الإيرادات الجمركية إلى 4 تريليونات دينار خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، مقارنة بـ800 مليار دينار في عام 2022، التوقف عنده وتحليله بصورة موضوعية، بعيداً عن الاكتفاء بالاحتفاء بارتفاع الرقم.
كما أن تأكيده استمرار وجود بعض المخالفات بالتنسيق بين بعض الموظفين وبعض المنتفعين في القطاع الخاص، وإشارته إلى قدرة نظام «الأسيكودا» على تحليل البيانات وكشف التلاعب والتهريب والمخالفات المالية، يمثلان تطوراً مهماً في منظومة الرقابة الجمركية.
لكن هذه القدرة تطرح سؤالاً مهماً: لماذا لا تُستخدم بيانات «الأسيكودا» أيضاً في تحليل السنوات السابقة، لمعرفة أسباب وصول الإيرادات إلى 800 مليار دينار فقط عام 2022؟
فهذا الانخفاض الكبير يستحق دراسة مؤسسية دقيقة لتحديد ما إذا كان ناجماً عن ضعف في الإدارة أو الإجراءات أو الرقابة، أو عن التهرب الجمركي، أو عن ممارسات فساد إداري ومالي محتملة، أو عن عوامل اقتصادية وتشريعية أخرى. ومن الطبيعي في هذه الحالة أن يشمل التقييم أداء الإدارات والمسؤولين عن الجمارك والمنافذ خلال تلك الفترة، من دون توجيه اتهامات مسبقة، وإنما بهدف الوصول إلى الحقائق وتحديد مواطن الخلل.
وفي المقابل، فإن ارتفاع الإيرادات من 800 مليار إلى 4 تريليونات لا يعني بالضرورة أن كفاءة الجباية وحدها تحسنت بهذا الحجم. فقد تكون الزيادة ناتجة، جزئياً أو بدرجة كبيرة، عن ارتفاع التعرفة الجمركية أو تغير أساليب التقييم والقيم المعتمدة للسلع، إلى جانب تحسن الرقابة والأتمتة. ولذلك، فإن قراءة الرقم المجرد لا تكفي، بل ينبغي تحليل مكونات هذه الزيادة ومصادرها.
وهنا تبرز النقطة الأهم: هل يمثل ارتفاع الإيرادات الجمركية بالضرورة مكسباً للاقتصاد العراقي؟
قد تحقق الدولة إيرادات أكبر من خلال الرسوم الجمركية، وهو ما يمثل مكسباً للخزينة من الناحية المالية، إلا أن هذا المكسب قد يفقد جزءاً كبيراً من قيمته الاقتصادية إذا انعكس في صورة ارتفاع في أسعار السلع والخدمات يتحمله المستهلك النهائي، أو أدى إلى زيادة كلفة الإنتاج، أو تراجع القدرة الشرائية، أو إرباك حركة التجارة والسوق المحلية.
فالسياسة الاقتصادية لا تُقاس فقط بما يدخل إلى الخزينة، وإنما أيضاً بما يحدث في السوق. وإذا ارتفعت الإيرادات الجمركية بالتزامن مع ارتفاع الأسعار، وتراجع حركة البيع والشراء، وتراكم البضائع، أو اضطراب حركة الاستيراد، فمن الضروري إعادة تقييم السياسة لمعرفة ما إذا كان العائد المالي يتحقق على حساب النشاط الاقتصادي.
كما أن تعدد التغييرات في السياسة الجمركية والإجراءات والتعرفة منذ عام 2010 وحتى اليوم يستدعي مراجعة شاملة. فاستقرار السياسة ووضوحها وتوحيد إجراءاتها عوامل مهمة للحد من التهرب الجمركي، وتشجيع التجارة النظامية، وتقليل فرص استغلال الثغرات والتباين في الإجراءات.
وتُعد الأتمتة ونظام «الأسيكودا» أدوات مهمة وحديثة يمكن أن تسهم بدرجة كبيرة في كشف أنماط التلاعب والتهريب والمخالفات المالية. غير أن التقنية وحدها لا تكفي؛ إذ ينبغي أن تتحول البيانات التي تكشفها الأنظمة الإلكترونية إلى تحقيقات مهنية، ومراجعة للإجراءات، ومساءلة للمقصرين، ومحاسبة عادلة عند ثبوت المخالفة.
وفي النهاية، لا ينبغي أن يقتصر السؤال على:
كم بلغت الإيرادات الجمركية؟
بل ينبغي أن يمتد إلى ما يلي:
ما الذي تغير بين 800 مليار دينار عام 2022 و4 تريليونات عام 2026؟ وما نسبة الزيادة التي جاءت نتيجة تحسين الجباية والرقابة، وما النسبة التي نتجت عن تغير التعرفة والقيم الجمركية؟ وما أثر ذلك كله في الأسعار، وحركة التجارة، وسوق العمل، والمستهلك العراقي؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تمكننا من تحديد ما إذا كنا أمام نجاح حقيقي في إصلاح المنظومة الجمركية، أم مجرد ارتفاع في الإيرادات يحتاج إلى قراءة أعمق لنتائجه الاقتصادية.

