جَرّة قلم.. ومقصلة الاقتصاد العراقي
07/10/2026 11:52
بقلم .. الدكتور ليث شبر
كنا نخشى القرار، فأصبح هذا الصباح واقعاً. بقرار مجلس الوزراء رقم 544 لسنة 2026، أصبح الدولار الذي تشتريه الدولة من وزارة المالية بـ1500 دينار، ويباع للمصارف بـ1510، ويصل إلى المستفيد النهائي بـ1520 ديناراً، بعد أن كان السعر الأخير 1320 ديناراً. أي إن كلفة الدولار الرسمي ارتفعت بنحو 15% بجرة قلم واحدة، وإن مليون دينار كان يعادل وفق السعر الرسمي قرابة 758 دولاراً أمسى يعادل نحو 658 دولاراً. الراتب نفسه بقي مطبوعاً بالرقم ذاته، لكن جزءاً من قيمته تبخر قبل أن يصل صاحبه إلى السوق. وهذا بالضبط ما حذرنا منه مراراً: أسهل القرارات في الدولة هي أخطرها عندما تعجز الحكومة عن معالجة المرض فتعدل ميزان الحرارة.
والمصيبة أن هذا القرار يأتي فيما كانت السوق الموازية قد تجاوزت 1600 دينار للدولار قبل تعديل السعر الرسمي، وكانت التقارير الاقتصادية نفسها تؤكد أن الفجوة لا تنشأ من نقص الاحتياطي وحده، وإنما من صعوبة الوصول إلى الدولار الرسمي، وتعقيدات التحويلات، والتجارة غير الرسمية، والمضاربة، والطلب المرتبط بالاستيراد خارج القنوات المصرفية. بل إن دفعات جديدة من الدولار النقدي كانت قد وصلت، ومع ذلك بقيت السوق مضطربة. لذلك يجب أن نكون دقيقين: لا أملك حتى الآن دليلاً رسمياً يكفي للجزم بأن واشنطن خفضت دفعات الدولار النقدي وأن هذا وحده فرض رفع سعر الصرف؛ أما المؤكد فهو أن البنية المالية العراقية أصبحت شديدة الحساسية لأي ضغط خارجي على الدولار، وهذه بحد ذاتها فضيحة سيادية بعد أكثر من عقدين من إدارة اقتصاد يمتلك كل هذه الثروة.
ما الذي فعلناه إذن؟ بدل أن نخفف حاجة العراق إلى الدولار، خفضنا قيمة الدينار أمامه. وبدل أن نفتح ملفات التجارة غير المنظمة والمنافذ والتحويلات الكبرى والتهريب والاقتصاد الموازي، ذهبنا إلى جيب الموظف والمتقاعد وصاحب الدخل المحدود، لأن الوصول إليه لا يحتاج لجنة تحقيق ولا مواجهة مراكز نفوذ ولا إعادة بناء جهاز مصرفي؛ يحتاج جَرّة قلم. الحكومة تحصل الآن على دنانير أكثر مقابل كل دولار نفطي يدخل إلى حساباتها، فتتحسن أرقامها الاسمية ويخف ضغط العجز، لكن المجتمع يتلقى الجانب الآخر من العملية في أسعار السلع المستوردة وكلف الإنتاج والنقل والدواء والغذاء. هذه ليست معالجة للعجز بقدر ما هي نقل جزء من كلفته من دفتر الدولة إلى مائدة العراقي. وكان صندوق النقد قد حذر أصلاً من اختلال مالي بنيوي؛ فتقديراته لعام 2026 وضعت عجز المالية العامة عند نحو 9.2% من الناتج، فيما لا تتجاوز الإيرادات غير النفطية 3.7% من الناتج، في اقتصاد ما زالت الرواتب والتقاعد تستنزف فيه كتلة هائلة من الموارد.
وهنا يشتد غضبي، لأن العراق ليس دولة مفلسة تبحث عن آخر ورقة في درج وزير المالية. آخر بيانات أوبك المتاحة تضع احتياطيه النفطي المثبت عند نحو 145 مليار برميل، وكانت صادراته النفطية في 2024 تقارب 101 مليار دولار، ومع ذلك ما زلنا نتعامل مع النفط كبراميل تغادر الموانئ ثم ننتظر الدولار العائد منها لنموله إلى دينار ونوزعه رواتب ونستورد به ما نأكله ونلبسه ونبني به. حتى الطاقة التكريرية العراقية بقيت، وفق بيانات أوبك، عند نحو 1.27 مليون برميل يومياً مقابل إنتاج خام بلغ نحو 3.86 ملايين برميل يومياً في السنة نفسها. هذه الأرقام تشرح مأزقنا كله: ثروة عملاقة واقتصاد صغير يعيش إلى جوارها.
لهذا كتبنا في المبادرة الوطنية للإصلاح أن زيادة إنتاج النفط ليست هي الحل، وأن البرميل الذي نصدره خاماً هو فرصة صناعية نطردها خارج حدودنا. طرحنا اقتصاداً نفطياً رأسياً يبدأ من الاستخراج ولا ينتهي عنده: تكرير، وغاز، وبتروكيمياويات، وأسمدة، وبوليمرات، وصناعات تحويلية، وسلاسل تصدير تعطي للبرميل قيمة مضاعفة وتخلق وظائف ودولارات من الصناعة نفسها. ووضعنا في رؤيتنا تطوير المصافي والصناعات البتروكيمياوية وربط النفط والغاز بسلاسل القيمة، وتحويل جزء من عوائد هذا الاقتصاد الرأسي إلى صندوق ثروة سيادي يصنع مصدة مالية للدولة بدلاً من أن نبقى أسرى للسعر اليومي للبرميل.
وذهبنا أبعد من ذلك. طرحنا المشروع الوطني للبنية السيادية للاستحقاقات والمدفوعات؛ سجل مالي وطني موحد، ومنصة للتحقق والتسوية، وشبكة قبول عراقية، ثم ديناراً رقمياً سيادياً يصدره البنك المركزي ضمن نظام وطني تملك الدولة مفاتيحه وبياناته. وقلنا بالنص إن البداية يجب ألا تكون من تقييد الموظف والمتقاعد، فهما الحلقة الأكثر وضوحاً في النظام، وإنما من العقود الحكومية والمنافذ والمدفوعات والتحويلات الكبرى، وإن الدينار الرقمي أداة لتقليص التسرب وإدارة السيولة وتوسيع الاقتصاد الرسمي، وليس خدعة إلكترونية لسد العجز. هذه الرؤية كانت أمامنا قبل أن تصل الأزمة إلى راتب المواطن، لكنها تحتاج عقلاً يبني منظومة، بينما جَرّة القلم تحتاج اجتماعاً وقراراً.
وطرحنا «أوركوين» ضمن تصور أوسع للمال السيادي؛ يبقى الدينار عملة الحياة اليومية والالتزامات الداخلية، وتُبنى أداة رقمية سيادية للاستثمار والتجارة والمشاريع الكبرى، تستمد قوتها من الاقتصاد الحقيقي والثروة الوطنية وتخفض الاعتماد الأحادي على الدولار. كما ناقشنا ربط قوة الدينار بالأصول السيادية والاحتياطي النفطي ضمن هيكل مدروس، وليس بشعار ساذج يقول إن كل دينار يقابله برميل؛ فالعراق يملك في باطن أرضه أصلاً استراتيجياً هائلاً يمكن أن يتحول، عبر صندوق سيادي وآليات مالية وقانونية وتسعير منضبط وتدفقات مستقبلية، إلى رافعة لقوة عملته وتمويل تنميته. لماذا يبقى النفط ضمانة للاقتراض ومصدراً للدولار ولا يصبح جزءاً من هندسة القوة النقدية العراقية؟ ولماذا يمتلك العراق الذهب والنفط والغاز والأرض والموانئ والسوق، ثم يقيس سلامة اقتصاده بعدد رزم الدولار التي تصل إليه بالطائرة؟
المشكلة إذن أكبر من 1320 أو 1520 أو حتى 1700. المشكلة في عقل اقتصادي اعتاد أن يعالج النتائج بعدما تقع، وأن يبحث عن الرقم الذي يمكن تغييره بدلاً من البنية التي يجب تغييرها. اليوم نرفع سعر الدولار، وغداً نضغط الإنفاق، وبعده نستدين، ثم نعود إلى النفط طالبين عشرة ملايين برميل يومياً، فيما المصنع معطل، والغاز يحتاج استثماراً، والبتروكيمياويات دون طاقتها الممكنة، والسوق المالية غير مكتملة، والاقتصاد الرقمي السيادي ما زال فكرة، والمال العراقي يتحرك في منظومات لا تمنح الدولة صورة كاملة عنه. إن القرارات التي تُتخذ بهذه السهولة، لأنها لا تحتاج سوى توقيع ومزاج مالي طارئ، هي التي تقود الدول تدريجياً إلى المقصلة؛ فالاقتصاد لا ينتقم دفعة واحدة، وإنما يقتطع من العملة، ثم من الراتب، ثم من الطبقة الوسطى، ثم من الثقة، وعندما تسقط الثقة يصبح إصلاح ما أفسدته جَرّة قلم أعقد من كتابة مئة موازنة.
لقد قلنا منذ أشهر إن العراق لا يحتاج إلى حلول متفرقة، وإنما إلى اقتصاد ذكي منتج وسيادة مالية حقيقية، وقدمنا الأدوات والبرامج والمسارات؛ واليوم أكررها بغضب أكبر: كفى إدارةً لثروة العراق بمنطق الصرّاف. قيمة الدينار لا يحميها قرار إداري وحده، بل مصنع يعمل، وحقل غاز يستثمر، وبرميل يتحول إلى عشرات المنتجات، وسجل مالي يعرف أين يذهب المال، ودينار رقمي سيادي، وصندوق ثروة يبني المستقبل، ومنظومة مصرفية عراقية تستطيع التعامل مع العالم من موقع الدولة لا من موقع المنتظر لشحنة الدولار. أما أن نختصر كل هذه الدولة بمقدار ما نضيفه على سعر الدولار بجَرّة قلم، فهذه ليست سياسة اقتصادية تليق بالعراق؛ إنها الطريق الأقصر لتحويل أزمات الدولة إلى عقوبات يومية يدفعها العراقيون.

