النفس.. هندسة الاختيار والتزكية
13/10/2026 04:17
التفسير المدني للقرآن.. ونفس وماسواها
( بقلم : د. ليث شبر )
منذ أن بدأنا رحلتنا في مشروع التفسير المدني للقرآن، وضعنا أمامنا هدفاً فكرياً وحضارياً يتجاوز حدود التفسير التقليدي، وهو أن نعيد اكتشاف الطاقة الدلالية الهائلة للقرآن في بناء الإنسان والمجتمع والدولة، وأن ننتقل به من دائرة احتكرت تفسيره نخب دينية وعلمية عبر قرون طويلة إلى فضاء المعرفة الإنسانية المفتوحة، ليصبح معلماً دلالياً حياً يستنطق الواقع ويهدي العقل ويسهم في صناعة المستقبل. وقد قطعنا في هذه الرحلة أشواطاً تأملنا فيها آيات التغيير والعدل والحرية والاختيار وسلامة القلب وسلطان الهوى، وربطنا دلالاتها بالتربية والاقتصاد والسياسة ومؤسسات الدولة، وألفينا أن القرآن يحمل من المبادئ والقيم ما يتيح بناء رؤية مدنية معاصرة تستفيد من العلوم وتتفاعل مع تطور المعرفة البشرية، وتمنح النص القرآني حضوراً في حياة الناس يتجاوز الوعظ والطقوس والخلافات المذهبية، وتفتح أمامنا طريقاً لفهم الدين باعتباره طاقة معرفية وأخلاقية تسهم في إصلاح الحياة وإعمار الأرض وصناعة الحضارة.
أكثر ما يستوقفني في سورة الشمس ذلك الانتقال المدهش من حركة الكون إلى حركة النفس الإنسانية، فالشمس وضحاها، والقمر إذا تلاها، والنهار إذا جلاها، والليل إذا يغشاها، والسماء وما بناها، والأرض وما طحاها، كلها مقدمات كونية تقودنا إلى أعظم مخلوقات هذا الوجود وأكثرها تعقيداً، وهي النفس التي أقسم الله بها قائلاً: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. ولعلي أرى في هذا الترتيب القرآني إشارة عميقة إلى أن انتظام الكون بقوانينه يقابله انتظام آخر داخل الإنسان، مع فارق بالغ الأهمية، فالكون يسير وفق سننه، أما الإنسان فقد منح قدرة الاختيار، ومنها تبدأ مسؤوليته عن نفسه وعن العالم الذي يصنعه.
تبدأ الآية بقوله ﴿وَمَا سَوَّاهَا﴾، والتسوية في دلالتها تتصل بالتكوين والإحكام والتناسب، وهي عملية تسبق الفعل الأخلاقي وتؤسس لإمكان حدوثه، فالإنسان يحمل في بنيته العقلية والعصبية والنفسية استعدادات متعددة، ويملك القدرة على المعرفة والتعلم والتذكر والتوقع والمقارنة واتخاذ القرار، ومن اجتماع هذه القدرات تنشأ شخصيته وتتكون خبراته وتتطور منظومته القيمية. وهنا يفتح التفسير المدني أفقاً للتأمل في الإنسان باعتباره كائناً قابلاً للنمو والتغيير، فالآية تمنحنا أساساً فلسفياً لفهم المسؤولية الإنسانية، مع بقاء التفاصيل العلمية لتكوين النفس والدماغ ميداناً مفتوحاً للبحث والمعرفة.
ثم تأتي الآية ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ لتضعنا أمام قضية حرية الإنسان، فالإلهام هنا يمكن فهمه باعتباره تمكيناً للنفس من إدراك الاتجاهين الأخلاقيين، وقد جاء الفجور أولاً لما يحمله من معنى الخروج عن الحدود وانتهاكها، بينما تتصل التقوى بالوقاية والوعي والقدرة على ضبط السلوك. وهذه الثنائية لا تعني أن الإنسان محكوم سلفاً بالشر أو الخير، وإنما تشير إلى وجود الاستعداد والقدرة على التمييز، ثم تتدخل التربية والمعرفة والبيئة والتجربة والإرادة في تشكيل القرار. ولعل أعظم ما في هذه الآية أنها تجعل المسؤولية الأخلاقية متصلة بحرية الاختيار، فلو انتفت قدرة الإنسان على الاختيار لفقد الحساب معناه، ولأمست الفضيلة والطاعة والإصلاح أفعالاً خالية من قيمتها الإنسانية.
أما قوله ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ فينقلنا من الاستعداد إلى الفعل، ومن المعرفة إلى بناء الذات، فالتزكية في العربية تجمع معاني الطهارة والنماء والزيادة، وبذلك تتجاوز تهذيب السلوك الظاهر إلى تنمية القدرات الإنسانية وتحرير العقل من الجهل والنفس من الأهواء المدمرة والإرادة من الخضوع للخوف والطمع. ويقابلها قوله ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾، والدسّ هو الإخفاء والطمس، وكأن الإنسان يستطيع أن يدفن ما لديه من إمكانات الخير والعقل والوعي تحت تراكم الشهوات والأوهام والمصالح، وبذلك يصبح الفلاح عملية بناء متواصلة، وتصبح الخيبة حصيلة إهمال طويل لقدرات النفس وإفسادها.
ومن هنا نصل إلى البعد المدني الذي أراه جوهر هذه القراءة، فالإنسان الذي يزكي نفسه يسهم في تزكية المجتمع، والمجتمع الذي يقيم مؤسساته على العدالة والعلم والحرية المسؤولة يساعد أفراده على تنمية نفوسهم، بينما تصنع مؤسسات الظلم والفساد والخوف بيئة تكافئ الفجور وتعاقب التقوى، وتدفع الإنسان إلى التكيف مع الانحراف حتى يألفه ويعدّه جزءاً من الحياة الطبيعية. ولهذا فإن مسؤولية الدولة تتجاوز سنّ القوانين والعقوبات إلى بناء نظام للتعليم والتربية والاقتصاد والإدارة يكافئ الأمانة والإنتاج والكفاءة، ويحمي الكرامة الإنسانية، ويمنح المواطن فرصة حقيقية للنمو، مع احترام ضميره وحريته. وفي هذا المعنى تصبح التزكية مشروعاً حضارياً تتكامل فيه مسؤولية الفرد مع مسؤولية المجتمع والدولة.
ولعل ما يعزز هذه القراءة أن سورة الشمس تنتقل مباشرة بعد آيات النفس إلى قصة ثمود بقوله تعالى ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾، فتنتقل من الحديث عن مصير النفس إلى مصير الجماعة، وكأن فساد الداخل الإنساني إذا تراكم وتحول إلى ثقافة وسلطة انتهى إلى طغيان جماعي يهدد المجتمع كله. وهنا تلتقي هذه الآيات مع قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، فتغيير النفس وتزكيتها يصبحان الأساس الذي تنطلق منه حركة الإصلاح المدني، ويغدو بناء الدولة امتداداً لبناء الإنسان، فكل نظام سياسي واقتصادي واجتماعي هو في النهاية انعكاس لما يملكه الناس من وعي وقيم وإرادة، وكل نهضة حقيقية تبدأ بإنسان يدرك قدراته ويحرر اختياره ويزكي نفسه، ثم يحول هذه الطاقة إلى معرفة وعمل وعدالة وعمران.
وهذا هو الامتداد الفكري الذي نعمل على تحويله إلى مشروع وطني متكامل من خلال المبادرة الوطنية للإصلاح، فقد انطلقنا من الإيمان بأن إصلاح العراق يبدأ بإعادة بناء الإنسان والعقل والمؤسسات معاً، وأن الدولة المدنية الذكية السيادية النابضة التي نطمح إلى بنائها تحتاج إلى منظومة قيم ومعرفة وإرادة تتجاوز الصراعات الموروثة والمحاصصة والفساد والتخلف الإداري، وتستثمر قدرات الإنسان العراقي في العلم والإنتاج والإبداع، وتجعل الذكاء السيادي أداة لتعزيز المعرفة والقرار المستقل والعدالة والكفاءة. وهكذا تلتقي رحلتنا في التفسير المدني للقرآن مع رحلتنا في الإصلاح الوطني عند غاية واحدة، هي الانتقال بالإنسان من الخضوع إلى الاختيار الواعي، وبالمجتمع من التبعية إلى المشاركة والإنتاج، وبالدولة من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل، وبلا ريب فإن المعنى الأعمق لقوله تعالى ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ أن نهضة الأمم تبدأ من قدرتها على تنمية الإنسان وتحرير طاقاته، وأن العراق الذي نريد بناءه سيكون ثمرة عقول زكية ونفوس واعية ومؤسسات عادلة وإرادة وطنية تدرك أن أعظم ثروات البلاد هو الإنسان الذي يصنع حضارتها ومستقبلها.

