المبادرة الوطنية للإصلاح.. عامها الأول ومسيرة ربع قرن
18/10/2026 07:44
( بقلم : د. ليث شبر )
بعد شهرين ونيف، وتحديداً في الثاني والعشرين من كانون الأول المقبل، تكمل المبادرة الوطنية للإصلاح عامها الأول منذ إطلاقها رسمياً في أواخر عام 2025، وهي مناسبة تستحق أن نراجع فيها تجربتنا وما أنتجناه من أفكار ومشروعات ومواقف، وما واجهناه من صعوبات وتحديات. وأود منذ البداية أن أوضح أن عمر المبادرة المؤسسي يختلف عن عمر مشروعها الفكري والسياسي، فقد جاءت تتويجاً لمسيرة إصلاحية امتدت لأكثر من عقدين، تداخل فيها الفكر بالسياسة، والعلم بالإدارة، والتجربة بالتأمل، وانتهت بنا إلى قناعة راسخة بأن العراق يحتاج إلى إعادة بناء منظومة الحكم وأدوات إدارة الدولة على أسس علمية حديثة.
بدأت رحلتي الإصلاحية مع دخولي أتون السياسة، وكانت بذورها الفكرية أقدم من ذلك، فقد انشغلت منذ شبابي بمقارنة الأفكار والمذاهب والنظريات السياسية والفلسفية، ثم وجدت في الدراسات الأكاديمية مجالاً أوسع لفهم الإنسان والمجتمع وتاريخ الدولة وتحولاتها. وبعد عام 2003 شاركت مع مجموعة من الأكاديميين في الحراك الرامي إلى تأسيس دولة دستورية ديمقراطية، ثم عملت في مجلس الوزراء، وتسنمت مسؤولية لجنة الحوار والتوعية الدستورية عام 2005، وانتقلت عام 2006 إلى ديوان رئاسة الجمهورية ومكتب نائب الرئيس، وشاركت في ملفات دستورية وسياسية وأمنية معقدة، وقد أتاحت لي هذه التجربة أن أتعرف إلى آليات صناعة القرار من داخل مؤسسات الدولة نفسها.
ومنذ تلك السنوات كنت أمارس الإصلاح بالنقد والمقترح والعمل المباشر، وأراقب كيف تنتقل المشكلات من حكومة إلى أخرى، وكيف تتغير القيادات وتبقى المؤسسات عاجزة عن معالجة اختلالاتها البنيوية. وقد دعمت قرارات وجدتها نافعة، وعارضت سياسات رأيتها مضرة، وكتبت وحاورت وقدمت أوراقاً ومشروعات، وصولاً إلى موقفي من أحداث تشرين 2019 وما رافقها من عنف وانتهاكات. وبعدها أعلنت المعارضة البناءة، وكانت التجربة تعمق قناعتي بأن الإصلاح يحتاج إلى منهج يعالج أسباب الخلل في بنية النظام السياسي والإداري والاقتصادي، ويمنع تكرار الأزمات مع تعاقب الحكومات.
وقبل أكثر من عشر سنوات بدأت تتبلور لدي رؤية الدولة الذكية، وقد نشرت في 21 أيلول 2018 مقالاً بعنوان «الدولة الذكية (Smart State)»، دعوت فيه إلى الفصل بين النظام السياسي والنظام الإداري، وبناء إدارة علمية ومهنية مستقلة عن تقلبات السلطة، وتأسيس دولة منتجة قابلة للتطوير والتحديث المستمر. كان هذا الطرح سابقاً لانتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي التي تستحوذ اليوم على اهتمام العالم، وكانت الفكرة الأساسية أن تمتلك الدولة نظاماً مؤسسياً يعالج المعلومات ويطور قدراته ويستثمر عقول أبنائه. وقد واصلت تطوير هذه الرؤية عبر مقالات ودراسات متعددة حتى وصلت إلى مفهوم الدولة المدنية الذكية السيادية النابضة، والذكاء السيادي الذي يمثل عقلها الوطني المستقل.
وفي الحادي والعشرين من حزيران 2021 نشرت «المشروع الوطني لإنقاذ العراق»، وطرحت فيه أركاناً للإصلاح السياسي والدستوري والإداري والاقتصادي والأمني، ثم واصلت خلال السنوات التالية تطوير تصوري للنظام الرئاسي الديمقراطي، وإنهاء المحاصصة، وإعادة تنظيم السلطات، وبناء الاقتصاد المنتج. وفي 22 كانون الأول 2025 أعلنت المبادرة الوطنية للإصلاح وإنقاذ العراق، لتكون إطاراً مؤسسياً يجمع هذه الرؤى ويحولها إلى عمل منظم، ويستقطب العقول والكفاءات الوطنية التي تؤمن بأن الإصلاح مسؤولية علمية وأخلاقية قبل أن يكون نشاطاً سياسياً.
ومن أكثر ما يبعث في نفسي الاعتزاز بهذه التجربة أن المبادرة الوطنية للإصلاح استطاعت استقطاب عقول عراقية متميزة من مختلف التخصصات والخبرات والأجيال، وما زالت تستقطب كل يوم عقولاً وكفاءات جديدة، تحمل معها أفكاراً ورؤى وتجارب تثري مشروعنا وتوسع آفاقه. وقد اكتشفت من خلال هذه الرحلة أن العراق يمتلك ثروة هائلة من العقول التي تبحث عن فضاء وطني يحترم المعرفة ويمنحها فرصة للإنتاج والتأثير، وأن كثيراً من هذه الكفاءات تمتلك الاستعداد للعمل والعطاء من دون مقابل متى ما وجدت مشروعاً واضحاً ومنهجاً علمياً ومؤسسة تحترم قدراتها. وأرى في هذا التفاعل المتنامي أحد أهم إنجازات المبادرة، فكل عقل عراقي ينضم إلينا يضيف قدرة جديدة على التفكير والإبداع والعمل، وكل اختلاف علمي بيننا يفتح باباً للمراجعة والتطوير. وأطمح إلى أن تتحول المبادرة تدريجياً إلى ملتقى وطني واسع للعقول العراقية داخل الوطن وخارجه، تتكامل فيه الخبرات وتنتج المعرفة وتتشكل منه نواة قادرة على المساهمة في بناء الدولة التي نحلم بها.
وخلال الأشهر الماضية اتسعت مشروعات المبادرة لتشمل إصلاح النظام المالي والمصرفي، والدينار الرقمي السيادي، والصناعة والزراعة والطاقة والمياه، وتطوير التعليم وتنمية العقول والمواهب، والمدن الذكية المنتجة، والسيادة على البيانات والمعرفة والقرار. وقد أردنا أن ننتقل من تشخيص الأزمات إلى هندسة الحلول، وأن نمنح العراق رؤية تمتد لعقود مقبلة، لأن الدول المتقدمة تبني سياساتها على استشراف المستقبل والاستثمار في الإنسان والعلم والتكنولوجيا، وتربط الإنفاق بالنتائج والموارد بالإنتاج والمسؤولية بالكفاءة.
ومن الخطوات التي أوليناها عناية خاصة إصدار الرسالة الأسبوعية إلى رئيس مجلس الوزراء والحكومة، التي بدأت تتحول إلى سجل منتظم لرصد القرارات وتحليلها وتقديم المقترحات والبدائل ومتابعة التنفيذ. وقد اعتمدنا معرّفات ثابتة للملفات ومؤشرات للقياس، سعياً إلى بناء علاقة مؤسسية بين المجتمع المعرفي ومراكز القرار. وأردنا من خلال هذه الرسائل أن نقدم تجربة عملية في الرقابة العلمية والتقويم والإسناد، بعيداً عن ثقافة المجاملة والخصومة السياسية، وأن نؤكد أن العراقي القادر على إنتاج المعرفة يستطيع المساهمة في إدارة شؤون وطنه حتى من خارج السلطة.
ثم اتخذنا خطوة أخرى بتأسيس مشروع حكومة الظل الوطنية المنتجة، ووضعنا لها هيكلية مقترحة تضم خمسين وزارة موزعة على عشر حكومات مصغرة، لتعمل في مجالات البحث والتخطيط وإنتاج السياسات والرقابة والتقييم. وأسسنا كذلك القيادة العليا للمبادرة لتكون مطبخها الفكري والاستراتيجي، تتلاقح فيه الأفكار وتناقش الملفات وتوزع المسؤوليات. وأعتز هنا بالعقول الوطنية التي تشاركنا هذا المشروع وتقدم وقتها وجهدها تطوعاً، من دون رواتب أو مخصصات حكومية، إيماناً منها بأن خدمة العراق واجب يتقدم على المناصب والمكاسب الشخصية.
ومع اقتراب عامنا الأول، تقع علينا مسؤولية مراجعة أنفسنا بالمنهج ذاته الذي نطالب الحكومة باعتماده، فنحدد ما أنجزناه وما تعثر، وما بقي في حدود التصورات، وما أصبح مشروعاً قابلاً للتطبيق. وأدرك أن غزارة الإنتاج الفكري تحتاج إلى تنظيم مؤسسي ومتابعة مستمرة، وأن الأفكار الكبيرة قد تحتاج إلى سنوات من البحث والتجريب حتى تنضج وتؤتي ثمارها. ولذلك أريد للعام الثاني أن يكون مرحلة أعمق في استقطاب الكفاءات، وتطوير فرق العمل المتخصصة، وإنتاج الدراسات التنفيذية، وتوسيع حضور المبادرة في المجتمع ومؤسسات الدولة.
لقد أمضيت ما يقارب ربع قرن في السياسة العراقية، وما زلت أرى أن أعظم ما يمكن أن نقدمه للعراق هو مشروع يبقى وينمو ويتطور بعدنا، وتتعاقب عليه أجيال من العلماء والمفكرين وأصحاب الكفاءات. ومن هنا أنظر إلى المبادرة الوطنية للإصلاح باعتبارها امتداداً لمسؤولية حملتها منذ دخولي الحياة السياسية، وتجسيداً لحلم ظل يكبر مع التجربة والمعرفة: أن نعيد للعراق قدرته على إنتاج الحضارة، وأن نبني دولة كريمة وعادلة وذكية وسيدة على قرارها ومواردها ومستقبلها. وبعد كل هذه السنوات، ما زلت مؤمناً بأن أمامنا عملاً كثيراً، وأن الطريق الذي بدأناه يستحق أن نواصل السير فيه بكل ما نملك من عقل وإرادة وقدرة على الإنتاج.

