الدستور المخترق

02/11/2026 07:37

( بقلم : د. ليث شبر )

قبل عشرين عاماً، وفي مثل هذه الأيام من تشرين الثاني 2006، بدأت لجنة تعديل الدستور العراقي برئاسة الشيخ همام حمودي أعمالها، استجابة للمادة (142) التي ألزمت مجلس النواب بتشكيل لجنة تقدم توصياتها خلال أربعة أشهر، وتُعرض التعديلات على الاستفتاء الشعبي خلال شهرين من إقرارها. كانت تلك فرصة تاريخية لتصحيح دستور لم يمضِ على إقراره سوى عام واحد، وقد أنجزت اللجنة مقترحات واسعة، لكنها أخفقت في تحقيق التعديل المنشود. وها نحن بعد عقدين نعود إلى نقطة البداية، وقد تراكمت الاختراقات فوق الاختلالات، وأصبح تعطيل الدستور ممارسة سياسية مألوفة.

أعاد رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان، في الخامس عشر من تشرين الأول الماضي، فتح هذا الملف، داعياً إلى مراجعة الدستور ومعالجة اختلالاته. وهي دعوة تستحق الاهتمام، لكنها تطرح سؤالاً أعمق: هل تكمن العلة في النصوص التي تحتاج إلى تعديل، أم في السلطات التي اخترقت النصوص القائمة وعطلت أحكامها؟

لنبدأ بالسلطة التشريعية. فقد حددت المادة (48) ركنيها صراحة: مجلس النواب ومجلس الاتحاد، وأوجبت المادة (65) إنشاء مجلس الاتحاد ممثلاً للأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم. وأرجأت المادة (137) العمل بأحكامه إلى قرار يصدر بأغلبية الثلثين بعد الدورة الانتخابية الأولى. انتهت المرحلة الانتقالية، وانتهى مجلس الرئاسة وعادت رئاسة الجمهورية إلى وضعها الدستوري، بينما بقي مجلس الاتحاد غائباً طوال عشرين عاماً.

فكيف تكون السلطة التشريعية مكتملة الشرعية الدستورية وهي فاقدة أحد ركنيها؟ وكيف نطمئن إلى شرعية التشريعات الصادرة عن سلطة لم يكتمل بناؤها وفق الدستور؟

تصوروا سلطة تنفيذية فيها رئيس لمجلس الوزراء دون رئيس للجمهورية، مع أن المادة (66) جعلتهما معاً ركني السلطة التنفيذية، أو سلطة قضائية يُعطّل أحد أركانها الأساسية ويبقى الركن الآخر يمارس اختصاصاتها. فهل تكون السلطة مكتملة في الحالتين؟ ولماذا يُقبل هذا النقص في السلطة التشريعية؟ صحيح أن المادة (137) وضعت حكماً انتقالياً يجعل بطلان القوانين مسألة تحتاج إلى حسم قضائي، لكن استمرار غياب مجلس الاتحاد يثير إشكالية دستورية كبرى في اكتمال السلطة التشريعية.

ثم نصل إلى سيادة الدولة وأمنها. فقد حظرت المادة (9) تكوين الميليشيات العسكرية خارج إطار القوات المسلحة، وأخضعت المؤسسة العسكرية للقيادة المدنية، ومنعتها من التدخل في الشؤون السياسية وتداول السلطة. ومع ذلك، ظلت ظاهرة السلاح الخارج عن السيطرة الفعلية للدولة، والتشكيلات المسلحة ذات النفوذ السياسي، من أعقد ملفات العراق. فأي قيمة لحظر دستوري إذا استطاعت قوى مسلحة مستقلة أن تؤثر في القرار السياسي أو تنازع مؤسسات الدولة سلطتها؟ وكيف تتحقق السيادة بوجود مراكز قوة مسلحة لا تخضع خضوعاً كاملاً لسلطة القانون؟

أما المادة (7) فقد حظرت الكيانات والنهج التي تتبنى العنصرية والتكفير والتطهير الطائفي أو تروج لها، بينما أكدت المادة (14) مساواة العراقيين أمام القانون دون تمييز. لكن الممارسة السياسية أنتجت محاصصة طائفية وقومية وحزبية امتدت إلى مؤسسات الدولة وتوزيع المناصب والامتيازات. وهنا المفارقة: كيف يحظر الدستور النهج الطائفي التمييزي، وتتحول الانتماءات الطائفية والقومية والحزبية إلى معايير لتقاسم السلطة؟ وأي معنى للمواطنة المتساوية إذا تقدمت هوية المسؤول الحزبية على كفاءته وحق المواطن في مؤسسات عادلة؟

وفي الثروة الوطنية اختراق آخر يستحق المناقشة. فقد أعلنت المادة (111) أن النفط والغاز ملك لكل الشعب العراقي، وأوجبت المادة (112) توزيع عوائدهما بصورة منصفة تحقق التنمية المتوازنة. لكن إدارة هذه الثروة ظلت أسيرة الاقتصاد الريعي والإنفاق التشغيلي المتضخم. ففي عام 2024 قاربت رواتب الموظفين نصف الإيرادات النفطية، أي نحو 47% منها، بينما تجاوزت تعويضات الموظفين خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026 قيمة الإيرادات النفطية المسجلة للفترة نفسها. والمشكلة هنا تتعلق باختلال التوازن بين الإنفاق على الجهاز الحكومي واستثمار الثروة لمصلحة عموم العراقيين، بمن فيهم العاطلون والشباب والأجيال المقبلة. فهل تحققت فلسفة الملكية الشعبية للنفط إذا أصبح المورد الوطني عاجزاً عن إنتاج تنمية تتناسب مع حجمه؟

وتزداد المفارقة مع استمرار غياب قانون النفط والغاز الاتحادي الذي يفترض أن ينظم إدارة الثروة وتوزيع عوائدها وفق المادة (112)، رغم مرور عقدين وتعدد المسودات. وهذه واحدة من فجوات تشريعية أساسية ظلت مفتوحة بفعل الخلافات السياسية، فيما تستمر إدارة ملفات استراتيجية بتشريعات متفرقة وتسويات مؤقتة.

وتبرز حرية الرأي والتعبير مثالاً آخر. فالمادة (38) كفلت حرية التعبير والصحافة والنشر، وحظرت المادة (46) المساس بجوهر الحقوق والحريات تحت ذريعة تنظيمها. ومع ذلك، بقيت نصوص عقابية فضفاضة وممارسات تفتح المجال لملاحقة أصحاب الرأي وانتقاد المسؤولين. فكيف يضمن الدستور حق النقد بينما تظل ممارسته محفوفة بمخاطر التأويل والملاحقة؟

هذه نماذج من اختراقات دستورية متراكمة، تتصل بمؤسسات الدولة وسيادتها وثرواتها وحقوق مواطنيها، وتضاف إليها إشكالات المدد الدستورية، والتعيينات، والاستحقاقات، والتشريعات التي تستوجب فحصاً جدياً لمدى توافقها مع الدستور.

والنتيجة التي أريد الوصول إليها أن علة الدستور العراقي تتجاوز الحاجة إلى تعديله؛ إنها تكمن في اختراقه المستمر، وفي مقدمة ذلك المحاصصة السياسية التي أصبحت دستوراً عملياً فوق الدستور المكتوب، ثم الإخفاق التاريخي في تعديله وفق المسار الذي رسمه بنفسه. لقد تحولت التوافقات إلى سلطة تعلو على النصوص، وأصبح تعطيل بعض الأحكام وسيلة لإدامة نظام المصالح الذي نشأ في ظلها.

إن إصلاح الدستور يبدأ بكشف الاختراقات التي تعرض لها، ومحاسبة المسؤولين عن المخالفات المثبتة، واستكمال مؤسساته، وإعادة فحص القوانين على ضوء أحكامه، ثم تعديل مواده التي أثبتت التجربة حاجتها إلى الإصلاح. فالتعديل وحده لن يعالج أزمة سلطة اعتادت الانتقاء من الدستور، وتحتاج قبل كل شيء إلى الخضوع له.

وبعد عشرين عاماً من لجنة همام حمودي، وأكثر من عقدين على إقرار الدستور، أجد أن السؤال الذي ينبغي طرحه اليوم هو:

ما جدوى تعديل دستور جديد، إذا كانت القوى التي اخترقت الدستور القائم هي نفسها التي ستتولى تعديله ثم تطبيقه؟
 

Follow Us:
All Right Reserved © 2026